الوقت يغير كل شيء

الوقت يغير كل شيء

ما طار طير وارتفع، إلا كما طار وقع. يفسر كل منا هذا المثل بما يناسبه ويناسب موقفه، فالبعض يقول بأن المثل يدل على عدم الاستدامة في العموم، والبعض يقول بأن من يرتفع ويتكبر ولا ينظر لمن حوله ينتهي به الحال من حيث بدأ. في كل الأحوال لا يظل الطير محلقاً للأبد سواء بإرادته أو بالوقع، في النهاية سيعود للنقطة التي طار منها.

كما نقول أيضاً أن دوام الحال من المحال، وكما رسم على عجلة القدر فلا شيء يظل في مكانه أو على حاله في المطلق حتى الجماد. لا مال ولا نفوذ أو سلطان. ومع ذلك تجد ممن حولك من يتعامل معك على أساس ما كان بينكم من سنين أو بناء على موقف قد حدث وانتهى بدون النظر للتغير الذي طالهم هم شخصياً ومع هذا لا يمكنه إدراك التغيير الذي طال الآخرين.

يتعامل معنا هؤلاء الأشخاص باعتبارنا تماثيل لا تفكر أو تتأثر وتشعر كما يشعرون هم، ولا يضعون في الحسبان أي اعتبار سوى لرغباتهم وأفكارهم وكلماتهم التي تخرج إلينا وكأننا أتينا للحياة فقط لنكون أوعية ليفرغوا بها كل ما يعكر صفو حيواتهم، حتى يعودوا لطبيعتهم الهادئة، ثم يعودوا لاستخدام الوعاء مرة أخرى عند الحاجة وهكذا. حتى التماثيل المصنوعة من الرخام والحجر تبلى وتتغير مع الوقت، وفي حالتنا فنحن جميعاً مصنوعون من الشمع. لحظات كافية لتغيرنا وتشكلنا من جديد لتجعلنا غرباء عما كنا عليه. تجعلنا لا نألف نفوسنا السابقة، لكنك بالرغم من هذا تجد من يأتي ليعامل نسختك القديمة، مع العلم بأن المعاملة لن تكون بالمثل في أي حال من الأحوال. عليك أن تعرف كل ما مر به من تحولات وتغيرات، وكل ما تأثر به وعليك أن تعامله بما يناسبه لأنك في وقت ما قدمت هذا.

أن يعاملنا الآخرون وكأن وجودنا على ما نحن عليه من المسلمات التي لن تتغير أو تتبدل مهما حدث، وكأن وجودنا في الحياة جاء فقط لتتمحور حيواتنا حولهم وقتما يشاءوا وكيفما شاءوا.

والتعامل على أساس أن الأشياء متاحة ومسلم بوجودها أو كما يقول الغربيون taking others for granted لا يكون مع الأشخاص فقط، فنحن نتعامل مع معظم الأشياء من حولنا بنفس الفكر. فنأخذ أعمالنا وحتى الأماكن التي اعتدناها كأنهم من المسلمات التي لن تتبدل أو تزول لأي سبب، مع أن القاعدة هي الزوال والتبدل، ولكننا ولو من باب الاعتياد نتعامل على هذا الأساس، وعليه نعاني فيما بعد عندما لا نجد ما توقعناه أو عملنا عليه ولم نعمل حساب لسواه وقد تغير وتبدل أو لم يعد له وجود عل الإطلاق. نسبب لأنفسنا ولمن حولنا المشاكل بسبب اتباعنا لقاعدة صنعتها عقولنا، بينما القاعدة الوحيدة التي يجب علينا أن نعمل تبعاً لها أنه لا قواعد هناك على الإطلاق، فلا توجد مسلمات أو توقعات يجب علينا التصرف وفقاً لها.

سارة الشافعي مدونة

خريجة حقوق وأحب مشاهدة الأفلام والبرامج الوثائقية والقراءة في شتى المجالات.