الطفل المريخي

الطفل المريخي

تداول رواد مواقع التواصل الإجتماعي بمصر مقطع مصور لسيدة بدار رعاية أطفال. المقطع يصور السيدة وهي تبكي غير مصدقة ما حدث من أشخاص قاموا باحتضان أطفال في السابق، ولكن لم تسر الأمور كما يجب أن تسير.  لن أتحدث عن التفاصيل، ولكن ذكرني المقطع بفيلم كنت قد شاهدته من فترة واسمه “Martian Child”.

تدور أحداث الفيلم عن كاتب يفقد زوجته و يقرر تبني طفل ليساعد كلاهما الآخر على العيش بسلام والشعور بالونس والألفة، ولجأ للتبني لأنه يعتبر إنجاب طفل لهذا العالم قسوة وظلم لا يغتفران بحق الطفل والكوكب معاً. تبدأ الرحلة مع صديقة للعائلة لتساعده على القيام باللازم لتبني طفل بداية من الإجراءات الورقية حتى مساعدته في اختيار الطفل المناسب، ليقابل الطفل دينيس الذي يعتقد أنه آت من المريخ للأرض، لهذا وجده دايفيد _الكاتب_  بدار رعاية الأطفال لأن والداه لا ينتميان لهذا الكوكب، وإلا لماذا تركوه بهذه البساطة!

لتبدأ رحلة دايفيد شديدة الصعوبة لجعل دينيس يعتاد على حياته الجديده معه، ليكتشف التشابه بينهما. دايفيد كاتب خيال علمي، ودينيس يعتقد أن موطنه الأصلي المريخ، وكانت هذه نقطة التواصل الأهم بينهم. ليجد ديفيد نفسه يواجه طفل يرفض التأقلم أو التعود على حياة مع أشخاص لا يعتبرهم من نفس نوعه أو جنسه، إلى جانب رفض من حوله سواء من المحيطين بهم في العموم من خارج المنزل وأخت دايفيد التي تجد الطفل غير مناسب بالمرة مع كل ما سمعته ورأته منه.

إلى أن ينتهي الوضع باكتشافنا أن الطفل قرر اختراع هذه القصة الوهمية، ليقنع نفسه بأنه غير مرفوض من كل الأشخاص الذين احتضنوه لأيام ثم أعادوه للدار مرة أخرى_والأهم_  ومن أهله الذين تخلوا عنه بمنتهى البساطة، مما جعل عقله يرفض كل ما حدث ليخلق لنفسه عالمه المريخي الخاص، فإذا نبذه الجميع في النهاية كما حدث منذ ولد، لا يهم فهو لا ينتمي لهنا ولا يوجد أي رابط بينه وبين أي شيء سوى الحادث الوهمي الذي أوقعه بالصدفة في هذه الدار ليجد نفسه وحيد تماماً لا يفهمه أحد أو يهتم به كما يحدث مع  الأطفال الآخرين من حوله.

في نفس الوقت الذي يحاول دايفيد أن يغير من شخصية دينيس لجعله قابل للتعايش مع المجتمع، تحاول ناشرة دايفيد أن تغير من كتابته لتناسب أفكارها الخاصة_ بالرغم من نجاح دايفيد ككاتب وعدم حاجاته لقبول الناشرة لإثبات نفسه_ ليجد نفسه يتلقى نفس المعاملة التي تلقاها دينيس ويجد نفسه أمام قواعد يضعها الجميع ممن حولها ليسير عليها بدون الإلتفات لما يشعر به أو يود أن يكتب عنه.

ليكتشف الأثنان في النهاية أنهما ينتميان لبعضهم البعض بكل ما مرا به، وبكل التشابه الكبير بينهم. لأننا في النهاية لا نبحث عن أكثر من التقبل والتفهم ممن حولنا ليس أكثر.

في الفيلم وفي المقطع المصور لم يعاني أي من الأطفال من مشاكل كبيرة، أو صعبة الحل_مع التأكيد على عدم كون هذا سبب في كل الحالات_ ولكن فقط من تعامل معهم لم يحاول أن يبذل أي مجهود. فقط أراد من حولهم التواجد إلى جوار طفل لإشباع غريزة بغض النظر عما يحتاجه الطفل. لم يفكر أحدهم بأن الطفل مثلهم يفكر ويشعر ويمرض، يحزن ويفرح، وله غرائز يجب إشباعها مثلهم تماماً. فقط أرادوا أن يختبروا مشاعر لم يختبروها من قبل، وتعاملوا مع الأطفال على أنهم مجرد وسائل لتحقيق رغباتهم بدون استعداد حقيقي لتقديم مقابل لتلك المشاعر التي ادعى الجميع أنهم يستحقون أن يشعروا بها..

سارة الشافعي مدونة

خريجة حقوق وأحب مشاهدة الأفلام والبرامج الوثائقية والقراءة في شتى المجالات.