ويبقى الآثر

ويبقى الآثر

لكل شيء نهاية، مهما طال الأمد، ومهما كان منظورنا المختلف عنها، لكنها حتمية كحتمية الوجود ذاته.

يختلف الوضع قبلها على حسب إعتقاد كل منا، وعلى حسب رؤيته للنهاية وكيف ستكون، وهل ستكون نهاية أبدية تنتهي بفنائه، أو بداية جديدة؟ فيختلف تصرفنا تبعاً لما نؤمن به، ولما نعد أنفسنا لنلاقيه.

في النهاية سننتهي، وقد نُنسى كبعض السابقين، مما يجعل بعضنا لا يبذل أي جهد أو يثابر ليحيا في المقام الأول. نُنسى وننتهي قبل أن نموت حين نقرر التخلي عن كل شيء، حين نقرر أنه علينا التوقف عن العيش لأن كل شيء سيذهب سدى، وأننا إلى زوال فما الفائدة؟

نموت قبل أن نحيا، حين نقرر أنه علينا التخلي عن ذكرياتنا الأليمة التي تعلمنا كيف نتقدم للإمام، وحين نقرر التخلي عن ذكرياتنا السعيدة التي لم تعد تذكرنا سوى بمدى السعادة التي كنا نملكها وأختفت أو تبدلت لأي سبب كان.

فما نحن سوى الذكرى التي نخلفها؟ أو الآثر الذي صنعناه كما ترك السابقون؟

فإن تخلينا عن كل هذا، وقررنا أننا لم نعد قادرين على المواصلة، أو قادرين على تحمل الفقد والخسارة، وبالتبعية تخلينا عن دورنا على عكس من سبقونا، وإذا لم نقدر على تخطي بعض العقبات التي تواجهنا جميعاً، التي نقوم بصنع بعضها بأنفسنا حتى نسهل على أنفسنا الإستسلام، حتى نعتاد على اللا شيء حتى ينتهي ما هو مقدر له أن ينتهي. ماذا سيحدث بعدها؟

إذا كانت حياتنا بالفعل واحدة ونهايتنا إلى الفناء والزوال؟ فهل يجوز أن نضحي بها ببساطة حتى لا نتألم أو نشعر بأي شيء؟ وأية حياة تلك التي تمتلئ بالخواء، التي لا تقدم لصاحبها سوى الإنتظار لما لا نريد إنتظاره؟

لا نملك سوى أوقاتنا المحدودة، وفرصنا الواحدة التي لن تستبدل أو تظل في إنتظارنا للأبد، فالأبدية لا تسري على كل الأشياء ولا الحياة كريمة بهذا الشكل معنا أو مع غيرنا.

علينا أن نعرف أن من أو ما سنتخلى عنه في الطريق، لن يعود ببساطة، وقد لا يعود أبداً. ربما في بعض الحالات قد تعوضنا الحياة بما هو أفضل، فينسينا ما قد وقع منا وخسرناه في الطريق، وقد لا يحدث هذا أبداً، فلا يمكنك أبداً أن تجلس وتنتظر لتجرب فرصك، التي إذا انتهت يكون ضاع كل شيء فلا يعد بوسعك العمل من جديد، أو البدء بأي مشاريع لأن الوقت لن يظل في صالحنا للأبد.

قد نخسر ما لا نريد أن نخسره سواء كانوا أشخاص، أو أحلام، أو مشاريع عملنا عليها، ولكن علينا أن نتذكر أننا لن نربح كل الأشياء في النهاية. سنخسر أحياناً ونربح أحياناً. وفي كل الحالات لا يمكننا التوقف عن المحاولة، أو التخلي عن ما نسعى إليه بتلك البساطة، ففي النهاية المحاولة حتى ولو فشلت لن تضرنا كما سيضرنا التخلي عن أنفسنا. مهما خسرنا من أشياء، ومهما كان تعلقنا بما ضاع، علينا أن نعود من جديد لنقف على أقدامنا بعد أن نأخذ ما يكفينا لنتعافى، حتى لا نخسر ما هو أهم ولا يمكننا تعويضه أو إرجاعه.

سارة الشافعي مدونة

خريجة حقوق وأحب مشاهدة الأفلام والبرامج الوثائقية والقراءة في شتى المجالات.