مرضى التعاطف

مرضى التعاطف

التعاطف مع الآخرين فضيلة من الرائع التحلي بها، ومن الأشياء التي تعزز التواصل مع من حولنا دائماً وتضعنا بمكانة أفضل لديهم.

ولكن ككل شيء آخر في الحياة يجب أن يكون التعاطف محسوب ومحدود، فلا يمكننا أن نسرف في التعاطف بدون الإنتباه للموقف والتعامل على قدره، والتعامل بما يتناسب مع الموقف. حتى لا ندور بدوائر مفرغة من تكرار المشكلة، وبالتبعية تكرار العواقب وتكرار الشعور بالذنب تجاه، وتكرار الهراء ذاته. لنظل نعيد كل شيء بحذافيره.

لنكف عن إرتكاب الأفعال الخاطئة أي كانت، يجب أولاً أن نعرف أن ما إرتكبناه كان خاطئ منذ البداية، وكيف ندرك أن أفعالنا كانت خاطئة ونحن نتلقى الدعم والحب، ونسمع طوال الوقت من المقربين من حولنا أن ما حدث أبداً لم يكن خطأنا وأن القدر أو الحظ أو أي شيء آخر بإستثناء أفعالنا بعينها هي السبب!

وعلى الجانب الآخر هناك منا من يحمل من حوله كل ما حدث سواء كان مدرك لمسؤليته عن ما حدث، أو لتعوده على إلقاء تبعات أي شيء على من حوله لأنه  إعتاد على وجود من يتحمل بالنيابة عنه كل شيء، إعتاد على وجود من يدفع الثمن بدون أي تفكير لمجرد إحساسه بالتعاطف الزائد مع الشخص أو مع الموقف _فيغض بصره عن كل ما حدث وقادنا لهنا لينتهي الوضع بأن نرفع طرف البساط ونخفي تحتها التراب أو الأوراق التي ندعي أننا لم نتلقاها يوماً متظاهرين بأننا فعلنا أفضل ما بوسعنا لحل الأزمة التي حدثت.

بالطبع فعلتنا هذه لا تقدم سوى المزيد من التعقيد للمشكلة التي عالجناها بالفعل، فالبساط لن يبتلع الخطابات المهملة تحته، أو يخفي الأتربة للأبد بالعكس سيكون علينا التعامل مع ما حدث للبساط أيضاً بعد التخلص من كل ما أخفيناه تحته أولاً.

أحياناً تكون بعض المشاكل عواقبها وخيمة للغاية، مما يصعب على عقولنا التفكير في الثمن الذي يجب أن ندفعه مما يجعلنا نتصرف بالشكل السابق، وأحياناً يكون الشخص المتعاطف يشعر بالذنب تجاه كل شيء لا يستطيع معالجته حتى لو كانت أخطأ الآخرين التي لم يكن للشخص يد فيها، ولكنها لا يستطيع أن يتخلص من الإحساس بالذنب والمسؤلية تجاه الآخر مما يجعله يتحمل أي شيء في سبيل أن يشعر ولو للحظات بأن كل شيء تحت السيطرة، مع علمنا التام بأن ما شعرنا به هو شعور زائف مؤقت.

نخبر أنفسنا بأن  الوقت سيغير الكثير وبأن ما حدث سينسى، وبالكثير من الهراء الذي لا معنى له إلا في عقولنا التي لا تفكر بعقلانية وقتها، وننسى أننا نصنع أشخاص لم تعد تبالي.

نقدم لهم حلول سحرية لكل أخطائهم الكبيرة قبل البسيطة، مع الدعم والحب الغير مشروط والتهنئة أحياناً على ما فعلوه، حتى تصبح القاعدة الوحيدة عندهم أنهم لا يعرفون الخطأ ولا يمكنهم أن يرتكبوه.

يصبح كل ما حدث خطأ من الآخرين، أو بسبب عطل في النظام، أو عدم عدالة الكون أو أي سبب آخر خلقه الله ما عدا أنهم أخطأوا بالفعل. وعندما يأتي وقت دفع الثمن الحقيقي، وقت لا يعد بأيدينا ما نقدمه للأشخاص الذين قدمنا لهم كل ما نملك بالفعل، وقتها يشعر الآخرون بأننا تخلينا عنهم لأننا ولأول مرة لا نستطيع أن نخلصهم كالعادة. مما يدمر كل شيء حرفياً فالعلاقة لا تعود كالسابق، ولا مخرج من المأزق بعدما تفاقمت الأمور، والأهم من كل ما سبق أن إحساسنا بالذنب والمسئولية لن يزولا بزوال العلاقة ولا حتى زوال المشكلة، وسنخرج جميعاً خاسرون بشكل لا نتصوره في البدايات.

لذا علينا أن نذكر أنفسنا أن ما حدث قد حدث بالفعل، ولن يغيره تلاعب الآخرون بنا، ولا اعتقادنا الخاطئ بأننا جئنا لنتحمل أعباء الغير أو أننا نستحق أن نعاني عوضاً عن الآخرين، ولا التسويف والتأجيل. نحن فقط نطيل عمر الفتيل ومهما طال سينتهي في النهاية لتنفجر في وجوهنا كل أخطائنا التي لم نحسن التعامل معها وظننا أنها في النهاية ستختفي كذرات التراب تحت طرف البساط، ستعود لنا كالنبتة المزروعة التي تلقت أفضل رعاية وإهتمام. لندرك وقت لا يفيد الإدراك أن الهروب والإختباء وراء التعاطف لن يجلبا لنا سوى المتاعب التي ستنهض لنا من تحت الرماد مهما إبتعدنا بالمكان أو بالوقت.

سارة الشافعي مدونة

خريجة حقوق وأحب مشاهدة الأفلام والبرامج الوثائقية والقراءة في شتى المجالات.