لا حنين يا ليل

لا حنين يا ليل

أحب الليل، منذ صغري وأنا أعشقه. أبي حاول كثيراً معي أن يجعلني أنام مبكراً، وأنا أيضاً قد حاولت، وهذا لأنني أحب رؤية الصباح الباكر. إنه مثل ما بعد منتصف الليل عندي، يلهمني ودائماً ما يعطيني شعوراً كأنني عشت ورأيت أكثر من كل البشر. يمنحني شغفا فضفاضا، يجعل كل الأفكار وكل الرغبات التي أود تنفيذها تتكاثر فوق رأسي كهطول المطر، لكنه سرعان ما يبدأ في الخفوت تدريجياً حتى طلوع الظهيرة.

لا أحب هذا الوقت ولا وقت العصر. ربما أفضلهما في فصل الشتاء أكثر، أما في الصيف فهما الجحيم والكآبة متمثلان معا.لكنني استطعت خلق روتينا لطيفاً، لتخطي ذلك الوقت الممل والذي نقلت بعضه من أبي. في الخامسة مساءً أراه يشغل إذاعة الأغاني. وعندما سألته قال في افتتان: فقرة فريد الأطرش بالطبع. وهي تبدأ في الخامسة وتنتهي في الخامسة والنصف. قلت له مرة يمكنني أن أشغل لك أي أغنية تريد، لكنه أشاح بيده بلا اكتراث لتكنولوجيا الإنترنت.

بالعودة لروتيني، جذبني صوت فريد رويداً بسبب أبي. وأنا لم أكن أحب فريد عندما كنت صغيرة، كنت أحس بأن صوته خشن وجاف وأن الاستماع إليه يجلب النوم! يا إلهي لو قلت لكم الآن كم أعشق صوت فريد، وإنني صرت لا أفوّت يوم إلا بسماع فريد مع فنجان قهوة مضبوط. هكذا صار روتيني المحبب.

فكرت مرة لما علي النوم مبكراً وأنا لا أحب النهار؟ فأنا لا أستطيع إنجاز شيء أثناء النهار، حتى خلال فترات دراستي كنت لا أفضل المذاكرة إلا في الليل، وعندما يكون لدي امتحان لا أنام مبكراً بل أشرب الكثير من الكافيين، كي أبقى مستيقظة لأذاكر حتى صباح يوم الامتحان.

الليل يحبني، أعرف هذا عندما يراسلني بإشارات كنت قد تعلمتها منه منذ سنين، عندما كنت أناجيه في فترات مرضي، وفي أيام تغزلي الأولى أيضاً بدهشته. وكيف يُشفى سواده الحالك أثار الندبات وأعمق الطعنات. غريب أن الظلام يشفي، صحيح؟ إن الليل شفاف ذا روح لا تعرف المناورة ولا التقمص. الليل رغم سواده إلا إنه أوضح، كل الأشياء تكون على حقيقتها في حضرته. هل لاحظت إنك تحدثت بصدق لنفسك أو لصديق أثناء الليل، على خلاف النهار؟

لولا الليل لانشقت رؤوسنا عنا، تفتش في جنون عما يثير حنينها المخبوء تحت جلودنا. وحده الليل القادر على دس الأرواح خفية في ملكوتنا. نرى أطيافهم حينا وهم يجوبون حول شرفاتنا، وحينا آخر يهمسون في أذاننا، كأن تلك الأرواح حاضرة معنا في هاته اللحظة. كم أنت ساحر يا ليل، رغم أن شرفتي تنوح وتندب وحدتها على الدوام.

أتعرف يا ليل إنك صرت أنت مصدر الطعنة هذه المرة، فلا رسائل عدت ترسلها، ولا أسرار بت تكشفها لي. أنت الذي ساعدتني على كشف أقنعة كثيرة، حتى قناعي نفسه قد كشفته أمامي بلا رحمة.

لِما الخصام يا ليل؟ لِما أضحت لياليك شاحبة، خالية من رائحة الحنين ومن أصداء الذكريات؟ ألعيب فيك أم فيّ؟ كل الذين أحببت أرواحهم غادروني، انسحبوا حتى تلاشوا بين غيومك. تركوني وحيدة يا ليل، من كثرة توحدي وتشبثي بك ظنوا إنني لا آبه لهم. لا، الحقيقة إنهم غادروا وحسب، هم أخذوا قرارا بالرحيل منذ أن كُشفت نفوسنا جميعاً. لا أحد يحتمل الصراحة يا ليل، ما كان عليك تعري وجوهنا و مداركنا، كنت تركتنا عميانٍ يا ليل كما كنا!

ولاء عطا الله كاتبة

كاتبة قصة ومسرح. رابط صفحتي على منصة "مقال كلاود" https://www.makalcloud.com/u/d5150e19d5ad6c6aa66a109f31a8b876 "اكتب يا هيبا؛ فمن يكتب لن يموت أبداً."