هبة الله حمدي أخصائية تأهيل حركي

زواج لمدة أسبوع ..في السنة

زواج لمدة أسبوع ..في السنة

أثناء جلستي مع إحدى الجارات ،وهي أم وابنتها الشابة التي شارفت على الزواج عرفت من خلال حديثهما أن زوجها الذي يعمل في إحدى الدول الخليجية ،والمقرر أن ينزل قرب موعد زفافهما ،وهذا أمر طبيعي لكن الغرابة تملكتني حين عرفت أنه سيعود بعد حوالي أسبوعين بمفرده إلى عمله ولن يكون بمقدوره تغطية نفقات إقامتها معه في تلك الدولة وليس للفتاة عمل هناك -وهي بالمناسبة موظفة هنا- وبالتالي فإنه سيقيم بمفرده هناك ،وتقيم الفتاة مع أسرتها هنا على أن ينزل أجازات كل عام ما تيسر له إجازة تتراوح من أيام إلى أسابيع قليلة قد لا تصل للشهر ،وأن هذا هو أفضل الحلول الآنية فالزوج لا يملك أي مصدر دخل هنا ولن يجد عملًا بسهولة ولو وجد سيكون عائده شحيحًا قد لا يكفي لمعيشة فردين فضلًا عن إنجاب طفل يُحمل أعباء ماديةً كبيرة !

الزواج ،متى وكيف ؟

الزواج طبقًا للتعريف الديني هو للسكن والمودة إذ تقول الآية “ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ” وكذا لحفظ النفس وصون الفرج تلبية لحاجات الإنسان الأساسية ،وتبَعًا لعلم النفس هو للمشاركة الوجدانية والعاطفية وتلبية لحاجة الإنسان للجنس ،لكن هل يكون الزواج ممكنًا دومًا وما هي معاييره ؟

يقول النبي محمد صلى الله عليه وسلم من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ” وضع الإسلام سيناريوها يتعذر فيه الزواج ويصعب وطرح حلًا قد لا يكون يسيرًا لكنه مساعد وهو بالصوم والصبر والتمسك بتعاليم الدين حفظًا للنفس رغم دعواه لتيسير الزواج قدر المستطاع لكن في وضعنا الحالي كيف يمكن تحديد إمكان الزواج من عدمه ؟

في حالة جارتنا ،والتي تتشابه مع عشرات الألوف من النماذج يسافر الشاب العربي من دولته النامية سعيًا في الأرض طلبًا لفرصة عمل يلتحق بوظيفة بالكاد تسد مسكنه ومأكله ، يُوفر حتى يتسنى له الزواج ،يرتبط ثم يتزوج لشهر وبعد ذلك يعود بمفرده حتى إشعارٍ آخر !

ربما مع توفر وسائل الإتصال والتكنولوجيا الحديثة بات التواصل أيسر فالكاميرا وغيرها باتت متاحة ويمكن للشخص أن يجالس رفيقا له في أمريكا طوال الوقت ،لكن هل يكون هذا كافيًا وهل يكون هذا شكلا من أشكال الإرتباط والزواج أملًا في مستقبلٍ أفضل !

الإنجاب :

في رأيي أن هذه ليست المعضلة الوحيدة ،ففي بلد كمصر مثلًا يحتل الإنجاب ركنا ركينًا في الزواج وفي وجود المرء عمومًا ،حتى في الظروف الإستثنائية والتي في رأيي كتلك الحالة ،يكون على المرأة أن تحمل خلال تلك الفترة مع زوجها ومن ثم تتحمل كل الأعباء المترتبة على ذلك بمفردها ،حتى يتسنى لهم جمع الشتات بعد عام أو عشر ،لكن المهم ان تحمل على ذراعها رضيعًا بغض النظر عن أي اعتبارات أخرى ،ويصير ذلك أمرًا معتادا ففي كل تجمع لنساء في محل عمل أو نشاط اجتماعي تجد بسهولة اثنتان أو ثلاث يقمن بمفردهن بعيدًا عن الزوج الذي يكد للقمة العيش ،سواءا كن حوامل أو يعلن طفلًا أو أكثر ،لكنه بات اعتياديا وقد يرتقي أيضًا لمرتبة الزيجات الفاخرة التي يُتباهى بها فزوجها يعمل في الخليج ويرسل المال لتعيش عيشة هنية !

وبعيدًا عن كل حقوق الطفل في أن ينشأ بين أبوين ويتعرف اليهما مذ يومه الأول ،فلنتكلم عن حق ذاك الرجل في الإستمتاع بصحبة ابنه ،فكيف يصير البنون زينة للحياة ونحن بعيدين عنهم نتعرف إليهم عبر زيارات خاطفة ونفاجئ بهم باتوا مراهقين أو شبابا ،أين المتعة في كل هذا ؟

وبالطبع لا يُطرح خيار تأجيل الإنجاب حتى يتسنى للزوجين الإجتماع في مكان واحد أو تتحسن الأوضاع المادية والإجتماعية قليلًا ،ويخرج الأمر من زواج للسكن والشراكة وأطفالُ لبهجة للبيت ومهجة للقلب إلى خواء لا روح فيه .

فرز المشكلة :

لو تتبعنا تلك الخيوط المتشابكة وفككناها تباعا ،سنجد الخيط الأول والمبدأي وهو الظروف الإقتصادية الصعبة والتي ساءت خلال الأعوام الأخيرة أكثر جراء كورونا وغيرها من الأحداث المتوالية ،والخيط الثاني وهو ارتفاع تكاليف الزواج فغلاء الأسعار ورغبة بعض الأُسر في شراء “جهازٍ” كامل صعب الأمر أكثر وأخيرا فهو في انعدام الوعي بشأن تنظيم الحمل والإنجاب .

الظرف الإقتصادي هو أمر خارج عن إرادة المجتمع ،فهو حال العالم اليوم لكن المغالاة في المهور والتشطيب والعفش والجهاز وكل ما شابه هو من صنع المجتمع ،فربما لو خففت الأسر ما تريد صار الزواج أيسر صحيح أن المادة هي أساس لكل شيء آخر قلَ او كثر لكن التقنين في أغراض الجهاز ستخفف ولو بقدر من العبء المُلقى على الرجل .

لكن سيظل بالطبع فئة غير قليلة بذات الوضع مضطرون الى بقاء كل طرف في مكان ،الدين الإسلامي لم يُحرم ذلك فالسعي لطلب الرزق مطلوب لكن أليس للمرء عقل يُفكر ويميز به فإن اتفق الزوجان البالغان على ذلك لفترة مؤقتة ،أليس عليهما أن يُنظما الحمل أو يؤجلاه في حال استعصت الظروف ،فالإنجاب أمر يحتاج لتخطيط ووعي .

نهاية ،لم يسرني مجرى الحديث كثيرًا ،فظروف الحياة التي تُهلك الناس في رحاها والتنازلات التي تُقدم في سبيل حق أصيل للإنسان هو أمر قاس ،لكن وفي رأيي أن يتقاسم الزوجان بيتً متواضعا بأقل الأثاث ويعيشان بدخل محدود خير من أن يصير لكل منهم بيت فخم لا يجتمعان فيه إلا لماما .

هبة الله حمدي أخصائية تأهيل حركي

نحتاج للكتابة كحاجتنا للماء، كلاهما ضروريان لمواصلة الحياة..