خاطرة عن عرض العمى

  • 0
  • 944
خاطرة عن عرض العمى

نتغير طوال الوقت، سواء على المستوى الشكلي أو على مستوى التصرفات والطباع. كذلك يتغير كل شيء من حولنا.

قد نتغير للأسواء أو للأفضل، بدون أن ندرك إلى أي جانب نتغير لكنه يحدث. كما تتغير الأشياء من حولنا بمرور الوقت، ومع مرور الوقت ومع تغيرنا المستمر ندرك أننا لا نعود أبداً كما كنا مهما حاولنا، كما لا تعود الأشياء من حولنا ولا يعود الوقت الذي مضى.

قد يعجبنا التحول أحياناً، وقد لا نرضى عما أصبحنا عليه،  لكن في المطلق ما ذهب لا يعود. لا أحاول أن أكون سودوية ولا أعني أن الحياة تنهار مع تغيرنا وتتبدل، بالعكس كثير من الأوقات يكون التغير والتبدل للأفضل ولصالحنا، ولكن كعادة كل شيء نحتاج لبعض الوقت لندرك ما خسرناه في الطريق، ولندرك مكاسبنا الجديدة وقوتنا التي إكتسبناها مع الوقت والتجارب ومرور العمر.

أتذكر قبل إغلاق الكورونا بأيام حضوري لعرض عن رواية العمى، ومن اللحظات التي آثرت في بشدة أثناء العرض، كانت غنوة لمتشرد أثناء وجوده بالمؤسسة التي حبس فيها هو ومجموعة من المصابيين بالوباء وقتها.

كان الممثلون بالعرض يحكون قصصهم قبل الوباء، وكيف كانت حياة كل منهم قبل أن ينتشر العمى، وقبل أن يحضروهم إلى هنا. كيف كانت حياة كل منهم وكيف كان يعاني بالخارج كما يحدث الآن.

كيف كانوا مبصرين بالفعل لكن لا يبصرون قبل الوباء، ثم أبصروا فجأة بعدما فقدوا بصرهم.

مثال فج للغاية وتجربة لا يمكن أن يخرج منها الكثيرين في العموم أحياء، ناهيك عن الخروج بحكمة أو عبرة بعد إختبار ما لا يمكننا جميعاً إحتماله أو التعامل معه حتى. لكن مثال معبر وجيد وقد يوصل ما أريد أن أوصله ويوضح المعاني التي قد يخذلني التعبير عن كيفية إيصالها.

في العرض نفسه، قام أحد المصابين_المتشرد_  يغني عن الحرية والسعادة اللذان كان يشعر بهم بالخارج ليصرخ بعد قليل، وليشكو بأن ما يعانيه الآن أقسى بكثير من حياته كمشرد لا يجد قوت يومه، ولا يجد مأوى له فيهيم على وجهه في الشوارع.

بالطبع لم تكن حياة مثالية أو حالمة، ولكن بعد تعرضه للعمى، وبعد ما تعرض له داخل المؤسسة التي تم حبسهم به هو وغيره، يكتشف أنه كان أسعد وأهنئ بكثير مما هو عليه الآن، فيقرر أن يغامر بحياته التي قد خسرها بالفعل بعدما خسر حريته وراحة باله وفقره وجوعه، اللذان كانا مبرران أكثر مما هما الآن.

ليخرج هو وأحد المحتجزين محاولين الهرب ليُتقلوا على الفور. لا يمر الكثير من الوقت بعدها لنكتشف أنه نجا مما هو أبشع بالداخل، ومع تسارع الأحداث يخطو الباقون على خطاه بعدما فقدوا الطاقة على الإحتمال أو تقديم أي تنازلات لمواصلة العيش. في البداية ظن الجميع أنه من الحمق أن يجازف ويعرض نفسه للقتل على يد الحراس، ولكن مع الوقت رأى من عارضوه بأنه هو الفائز لأنه قرر أن ينهي عنائه بأي طريقة كانت، وهم بالرغم من خوفهم من الحراس وخوفهم ممن يشاركوهم المكان لم يسلموا من أي شيء ولم تقف معانتهم عند حد.

نتغير وتتغير فرصنا وأوضاعنا، وتتغير معها خياراتنا فتصبح أكثر حسماً أو أكثر تردداً، وفي كلا الحالتان لا يغير ترددنا أو حسمنا سوى من فرصنا الأفضل التي قد نضيعها لحكمنا الخاطئ على الأمور. لذا علينا نحن أن نتغير أولاً بالشكل المناسب قبل أن نبحث عن التغيير من حولنا. أن ننظر بالفعل ونقدر ما يحدث لنا وما يحدث حولنا، أن نقييم خياراتنا بشكل صحيح ونختار ما هو لصالحنا، وليس ما هو ملائم وما هو أهدئ لبركة حياتنا الراكدة، فالمياة في النهاية لن تظل راكدة وستتحرك سواء كان بإرادتنا أو بإرادة الغير، سنخسر اشياء لا نريد خسارتها، وسنتعرض لأشياء لم تخطر لنا ببال، ووحدنا من سيحدد كيف سينتهي كل شيء.

سارة الشافعي مدونة

خريجة حقوق وأحب مشاهدة الأفلام والبرامج الوثائقية والقراءة في شتى المجالات.