كحب عابر وكوردة في الثلج تنسى!

كحب عابر وكوردة في الثلج تنسى!

جميعنا نولد أبرياء أنقياء، لا تستوعب عقولنا الصغيرة الكثير حتى نكبر ونرى ونفهم مع الوقت والتجربة. قبل هذا يكون لكل منا أفكاره الغريبة التي نادراً ما تتشابه، فتجد كل طفل لديه خيالاته الخاصة ورأيه الخاص فيما يدور حوله من منظوره الذي لا يمت لأي مما يحدث بالفعل بأية صلة.

قد نجد ما هو مشترك مثل ظن الأغلبية أن القمر كان يتابعهم طوال الوقت في أي طريق، أو أن الشمس أو جنية الأسنان هي التي تستبدل لنا ما تلف على حسب الثقافة التي ننتمي لها، ولكن في النهاية لكل منا أفكاره الغريبة التي يعلم الله وحده من أين أتت حتى نكتشف مع الوقت أن كل ما سبق لم يكن إلا خيالاتنا الصغيرة التي لم تكن لتدرك وقتها ما كان.

عندما كنت صغيرة لم أفهم فكرة الموت أبداً، ولا حتى فكرة التقدم في العمر. لماذا لم نأتي كلنا بفئة عمرية واحدة، ولماذا هناك الكبير والصغير، طالما لن يموت أي منا؟ وكيف أتيت أنا على حالي هذا وكيف أتى الآخرون بهذا الحجم والعقل بكلامهم الغير منطقي لي في هذا الوقت.

وقتها لم يحاول أحد أن يشرح لي أكثر عن الأمر، ولكن الفكرة ظلت تطاردني بدون فهم حقيقي، حتى شاهدتها يوماً في أحد الأفلام حيث مات بطلي المفضل، وكل ما فهمته أن من يموت يختفي عن أعيننا لللأبد فحسب.

فكرة الموت لم تكن مفهومة في أي عالم بالنسبة لي. لا عالمنا الحقيقي ولا عالم السينما والخيال. حتى تعرضت لأول فقد بحياتي لأدرك بالطريقة الصعبة معنى الموت، والتقدم في العمر بمنتهى البساطة _التي لم أحبذها وقتها_كما لم أفهم من قبل.

ظللت وقتها أتسأل عن مكانه؟ ولماذا ذهب بمنتهى البساطة وتركنا هكذا؟ ومن سأشهد الآن بعدما مات بطلي المفضل؟ ليحاول والدي أن يشرح  لي أن عالم الأفلام لا يمت للواقع بصلة وأنه لم يمت بالفعل، ولكن عقلي وقتها لم يستوعب هذا الأمر أيضاً.

ثم كبرت قليلاً لأكتشف أن هناك ما هو أسوأ من الفقد بالموت. أكتشفت أن الأشخاص يغادروننا بلا عودة للأبد بدون تبرير قوي، كالموت الذي لا يستطيع أحدنا مرواغته أو خداعه.

اليوم يتواجد حولنا بعض الأشخاص، بعض الوقت أو معظمه، حتى يكفوا عن التواجد حولنا. هكذا!

ولا أقصد أن يسافر أحدهم أو ينشغل عنك كما يحدث عادة، وإنما أقصد أن يختفي هذا الشخص حرفياً من حياتك كأن لم يكن بدون سبب مقنع أو مبرر مفهوم ليرضي عقولنا أو يجعلنا نفهم ما حدث.

نحن باقون للحظات مهما طالت أو قصرت حتى نغادر، وهو ما لم نفهمه جميعنا أو نتقبله جيداً منذ بدء الخليقة حتى وقتنا هذا، ليقرر الآخرون أن هذا غير كافي لنتعرض له ونحن ما زلنا على قيد الحياة، وكأن كل ما نعاني منه ليس بكاف في نظر هؤلاء.

مما ذكرني بأغنية شهيرة كنت أسمعها عندما كنت طفلة، فكانت المغنية تتجول في شقتها لتستعرض لنا الأماكن التي رفض حبيبها أن يظل إلى جوارها بها كما اعتاد. فتستعرض مكتبه وأدواته التي تركها بلا رجعة، وكراسي وضعت بالشرفة إلى جوار منضدة صغيرة عليها كتاب ونظارته أو كوب قهوة تركها أيضاً.

كبرت وفهمت الكثير من الأشياء التي لم أكن أفهمها، ولكنني أبداً لم أفهم هذا الفعل وحتى وقتنا هذا مازالت هذه المشاهد والأغنية مصدر من مصدر الخوف والقلق بالنسبة لي، ولكن بصورة أقل.

لم أعد أتعاطف مع شخص الذي إنصرف ولن يجد سبيل للعودة مهما حدث كما كنت في السابق، ولكن أخاف أن أفعل مثل هذا في يوم من الأيام وأن أفقد شخص أو شيء عزيز قبل أوانه. أخاف أن أرحل أو أترك أي كان السبب، الذي لن يغير الوضع أو يكون مقنع قاطع كفقد الموت الذي لا نملك أي رد فعل أمامه سوى الصمت. الصمت الذي لا نملك غيره ولا يجلب لنا أي راحة.

سارة الشافعي مدونة

خريجة حقوق وأحب مشاهدة الأفلام والبرامج الوثائقية والقراءة في شتى المجالات.