القيادات النسائيّة لمدارس أمريكا الشَّماليَّة

القيادات النسائيّة لمدارس أمريكا الشَّماليَّة

لمحة عامّة مُوجزة عن السَّنوات الخمس والعشرين الماضيّة

بقلم آنا بانونتو

ترجمة: حلا الجابر

القيادات النسائيّة لمدارس أمريكا الشَّماليَّة
آنا بانونتو؛ مُعلَمة في المدرسة الثَانويَة لمركز مونتريال لتعليم الكبار التابع لـ مجلس مدرسة مونتريال الإنكليزية . وهي تُدرِّس منذ 22 عامًا وقدّمت هذا المقال.

“قد أثّرت النّساء في كيفيّة تعريفنا للواقع، وتصوّرنا للمعرفة، وكيف نتولّى زمام القيادة”

(ريغان وبروكس، 1995)

إن ما شهدتهُ كمُعلّمة بالغة مُخضرمة -تعيش في مونتريال، كيبيك– هو تطوّر تدريجيّ لقيادات المدارس من النّساء اللائي يأتين إلى مناصبهن ويصقلن استراتيجيّات قيادتهن برؤيةٍ شاملة.

وفقاً لمرجع كلّ من (ريغان وبروكس، 1995)، فإنّه حتّى مُنتصف السّبعينيّات، كانت النّساء تُكرّر الأساليب التَّقليديّة للقيادة. كان من الطّبيعيّ فقط تكرار ما تمَ تعلّمه نظريًّا في الجامعات وما تمّ ممارسته في المدارس نفسها.

بمرور الوقت، طوّرت النّساء نماذجهن الخاصّة للقيادة؛ المعروفة بأخلاقيّات الرّعاية (القيادة العلائقية).

ولكن، كيف دخلت هذه النَّماذج حَيِّز التّنفيذ؟

 تمّ فصل مُعظم النّساء كمعلّمات لفترةٍ كافية لملاحظة الطُّرق والأساليب التي يمكن من خلالها تحسين القيادة، خاصّةً في المنظّمة المدرسيّة. وفقًا لـ (هارت 1993)  فقد خضعَ مُعظم مديرات المدارس المعيّنات حديثًا لما أسماه الأدب “تجربة التّنشئة الاجتماعيَّة المزدوجة” والتي تشمل مديري المدارس على المستوى المهنيّ، و “التّنشئة الاجتماعيّة التّنظيميّة” لبيئة العمل المباشرة. استنادًا إلى ما بيّنه هارت أيضًا، فإنّه على الرّغم من أن القيادات النّسائيّة أَولت اهتمامًا خاصًا لكيفيّة تنظيم المدرسة، إلّا أن أسلوب قيادتهن غالبًا ما يُترك مُعلّقًا. وفي كثير من الأحيان، جعلتهم أدوارهم القياديّة الجديدة في حالة من القلق والخوف.

أَدّت الزّيادة الهائلة في عدد القيادات النّسائيّة للمدارس من أواخر الثمانينيّات إلى التِّسعينيّات في أمريكا الشّماليّة إلى ظهور طفرة جديدة. كانتِ النّساء ينتقلن إلى مناصب قياديّة، ويتمّ ذلك بنسبةٍ قليلة من شبكات التّواصل والإرشاد أو من دونها إطلاقًا؛ وهذا بحسبِ ما ورد في (مجلة المرأة في القيادة التربوية ، المجلد 2، العدد 1 يناير 2004).

تُفيد دراسة أجراها كلّ من (نابير وويلور ، 1994 ) فإن أكثر من 50٪ من القيادات النّسائيّة في التّعليم لا ينتمين إلى النّظام الذي يُدعى “شبكة الولد الصالح” واعترف 68٪ بأنه لا توجد “شبكة الفتاة الصالحة” بالنّسبة لهن أو لجزءٍ من أيٍّ منهما . لذلك، قد واجهت معظم النّساء القياديّات القليل من التّشجيع أو عدم التّشجيع لتولّي أدوارهنّ القياديّة وشعرن أنهنّ لا يستحقِقن مناصبهنّ الجديدة من قبل بعض نظرائهن الرجال (المرجع نفسه). على الرّغم من ذلك، ما زالت القيادات النّسائيّة تُشرف على شبكات الدّعم الشّخصي مثل الأسرة والأصدقاء المقرّبين وتعتمد عليها. ولكن ما أرادته النّساء فقط في المناصب القياديّة الجديدة في ذلك الوقت، أن يتمّ قبولهنّ واحترامهنّ كقائدات، بغض النّظر عن جنسهنّ.

على مدى العقدين والنّصف الماضيين، حصلت النّساء على قدرٍ كبير من الاعتراف والتّقدير في جميع أنحاء أمريكا الشّمالية ولم يقمن فقط بتطوير أسلوب القيادة النّسائية (القيادة العلائقية) -والذي تمّ تنفيذه بنجاح اليوم من قبل القادة الذكور والإناث على حد سواء- ولكن أيضًا رؤية جديدة أو تفسير جديد لما تستلزمه شّبكات التّواصل حقًا. وبعبارة بسيطة فإن التّواصل الشّبكي يعني الاعتناء ببعضنا البعض، وتقديم الدعم والإرشاد عند الحاجة. لم تقتصر أخلاقيات الرّعاية على قيادة المدرسة فحسب، بل شملت أيضًا القيادة بشكل عام، سواء كان ذلك في المؤسّسات الاجتماعيّة أو الثّقافيّة أو السِّياسيّة.

صرّحت إحدى مديرات المدارس في مدرسة ثانويّة، التي أجريتُ مقابلة معها في عام 1995، بينما كنت أحضّر رسالتي في استراتيجيات القيادة النّسائيّة (جامعة ماكجيل) ، بأنّها كانت في غاية الامتنان لزوجها على الدّعم وأن عائلتها كانت شبكة علاقاتها:

 “…. لولا زوجي وعائلتي، لما كنت لما أنا عليه اليوم(بانونتو 1995).

لقد كان مصدر دعمها طوال عملية انتقالها من معلمة إلى مديرة.

لكن ماذا عن الإرشاد والتّوجيه؟

في حقيقةِ الأمر فإن لفنِّ الإرشادِ جذوره العريقة. يعود هذا الفنّ إلى الأوديسة مع كون المرشد هو اسم شخصية هوميروس الذي قدم النّصح، المشورة، والإرشاد.

قام كلّ من (شكتز وبنسون 1994) بتحديد الغرض من المرشد بعبارات مبسَّطة؛ حيث يقوم المرشدون بتوجيهِ وتدريبِ ودعم شخص أقل مهارة أو خبرة يُدعى مبتدئًا أو متدرّبًا أو ربيبًا. إذن، هل كان لدى جميع قائدات المدارس مُرشدين في ذلك الوقت؟ في دراسة بافان للمسؤولات الإداريّات في ولاية بنسلفانيا، ذكرت النّساء أزواجهن كأوّلَ مرشدين لهن.

وفي بعض الحالات، تمامًا كما قدّمتُ في دراسة أطروحتي (بانونتو 1995): كان أزواج هؤلاء النّساء مصدر الدعم الوحيد لهم وفقًا لما ذَكَره كل من (سارتر، كينينغتون، إدسون ، 1988).

ولكن يكمن السّؤال الحاسم: لماذا معظم النّساء اللاتي قابلتهنّ ،إن لم يكن كلهنّ، عانين من العزلة عند انتقالهنّ من دور المُربّي إلى المدير؟

بحسَب ما تمّ الاعتراف به من قبل (غروغان، 1996) فإنّ “شبكة الولد الصالح ” تُشكّلحاجزًا أمام المرأة في التّقدّم المهنيّ في القيادة التربويّة.

ومع ذلك، هل لا تزال القيادات النّسائيّة في المدارس تشعر بنفس الطّريقة في الوقت الرّاهن؟

وفقًا لـمجلّة هارفارد بزنس ريفيو، فقد ذكر براين اوزي -في عدد شهر فبراير -2019شيئًا مُثيرًا للاهتمام: تحتاج النّساء إلى شبكاتٍ مُزدوجة؛  ممّا يعني أنهن بحاجةٍ إلى التّواصل مع الرّجال والنّساء على حدٍّ سواء. وأشار إلى نقطة أخرى، وهي أن النّساء النّاجحات كان عليهن التّواصل بذكاءٍ أكبر لا بجهدٍ أكثر؛ بحثًا عن النّوعيّة على حساب الكميّة؛ وهذا يعني بأن التواصل يتمّ مع الأشخاص الّذين لديهم علاقات متشعّبة وجهات اتصال متعدّدة، وتجنّب العلاقات الدّاخلية المغلقة والمحدودة.

على الرَّغم من وجود العديد من المؤلّفات حول القيادات النّسائيّة في عالم الشّركات – ولا سِيّما في السّنوات العشرين الماضية-  إلّا أن هناك حاجة إلى إجراء المزيد من البحوث النّوعيّة فيما يتعلّق بكيفيّة قيام مديرات المدارس بإعادة صياغة مفهوم القيادة فيها، والأهمّ من ذلك، كيف أدّى هذا كلّه إلى خلق رؤية جديدة في عالم التّعليم.

المقال باللغة الإنجليزية هنا

حلا الجابر كاتبة

كاتبة، مُترجِمة، مشروع ناقدة سينمائية وتلفزيونيّة.