فادي عمروش رائد أعمال مجتمعي

التطوُّع مفهومه وأهميته من وجهة نظر واقعيَّة

التطوُّع مفهومه وأهميته من وجهة نظر واقعيَّة

يعدُّ العمل التطوُّعيُّ أحد أسمى الأعمال الإنسانية، إذ يبذل الأفراد أموالهم فضلاً عن أوقاتهم وخبراتهم  لخدمة المجتمع دون أدنى نية في الحصول على أجرٍ أو عائدٍ ماديٍّ، فقد سمِّي التطوُّع تطوُّعاً لأنَّ الإنسان ينجزه طواعية من دون إجبارٍ من الآخرين، أو طمعاً بشيء عندهم، مدفوعاً بطبيعته الاجتماعية ورغبته في تكوين علاقات متبادلة مع مجتمعه ومحيطه، ليس هذا وحسب ولكن للتطوّع آثار إيجابية تتعدى ذلك للطلاب في المرحلة الجامعية إذ يتعلمون التأقلم مع اللامتوقع بالإضافة إلى تعلمهم مهارة الإقناع، مما يزيد بالمحصلة فرص حصولهم على عمل جيد فيما بعد.

تحاول هذه المقالة استعراض آراء المتابعين والدائرة المقرَّبة الواردة على صفحتي حول موضوع التطوُّع، وبالتالي لن يكون محتوى هذه المقالة مبنيَّاً على رأيي الشخصيٍّ وحسب، ولكن سيكون نتاج استطلاع نشرته عبر منشورات متنوعة على صفحتي على فيسبوك.

ما هو التطوُّع؟

حينما سألت المتابعين حول نظرتهم إلى التطوع اتفقوا على التعريف العام: إنَّه عطاء ومساعدة وخير وإحسان وتقديم خدمات مجتمعية دون انتظار مقابل، بينما أجاب البعض: إنه لا وجود لشيءٍ مجانيٍّ بالكامل، ويرون أن للتطوّع عوائد بشكلٍ أو بآخر، تتمثَّل في شعور السعادة عند تقديم الخدمات والرضا الداخلي عن النفس، ومن خلال زيادة المعارف والخبرات والتسويق الشخصيِّ، وبناء الشخصية، واكتساب مهاراتٍ مهنية عملية كبيرة.

ما أهمية التطوُّع للفرد والمجتمع؟

يؤدِّي التطوُّع بشكلٍ أو بآخر إلى تحسين المسار المهنيِّ وتقوية العلاقات ممَّا ينعكس على سعادتنا الداخلية وحياتنا العملية، ويتجلى أثر التطوُّع في ما يأتي:

خبرة وفرص توظيف أعلى

يعطي التطوُّع خبرةً عمليَّة في تخصُّصٍ معيَّنٍ، وتفيد هذه الخبرة في تقوية السمعة والموثوقية في سوق العمل والمجال التخصصي الذي تطوع الشخص فيه، كما ويساعد التطوُّع المتخرِّج حديثاً من الجامعة في الحصول على فرصة عمل أو مقابلة أو توظيف فيما بعد.

وجاء في مقالة نشرت في جريدة الغارديان: إنَّ التطوُّع والحملات الجامعية التي يقوم بها الطلاب ضمن حياتهم الجامعية يؤثر إيجاباً على حصولهم على فرصة عمل مستقبلاً، ووفق المقالة يكتسب الطلبة الذين يشاركون في الحملات الجامعية سواء الحملات الانتخابية، أو الحملات الموجَّهة للتعريف بقضية ما مهارات مُلفِتة،  ويتعلمون التأقلم مع اللامتوقَّع، بالإضافة إلى تعلمهم مهارة الإقناع، ممَّا يزيد بالمحصلة فرص حصولهم على عمل جيد فيما بعد.

البركة في الوقت

يُفيد التطوُّع بشكل واضح على المستوى الشخصيِّ، وهناك كثير من الدراسات تقول: عندما تعطي وقتاً لدعم الآخرين فسيعود هذا الأمر عليك بأثرٍ إيجابيٍّ وبركة في الوقت، وحتى لا نختلف هنا على مفهوم البركة في الوقت نشير إلى أنَّ القصد هو مضاعفة الإنتاجية نظراً لتعزيز إنسانيتنا، وما يرافقها من هدوء ورضا داخلي، وانخفاض مستويات القلق مع مساعدة الآخرين.

شبكة علاقات أقوى

إنَّ العطاء والبذل هما عنوان السعادة التي تبني المجتمع، ومن المؤكّد أنّ الأشخاص الذين يُقدِّمون الخدمات دون انتظارٍ ماديٍّ ستكون شبكة علاقاتهم أقوى من أيّ أشخاص آخرين.

بناء المجتمعات والمؤسسات طبعاً

يفتح التطوُّع باب الخبرة وتنمية العلاقات، ويفتح المتطوعون الأكفَاء الباب على مصراعيه لتطوير المؤسَّسات وخاصة المجتمعيّة والخيريَّة، وبالتالي الارتقاء بواقع المجتمع.

 متى يفقد التطوع معناه؟

تضاربت الإجابات حول هذا السؤال خاصةً فيما يتعلق بالأمور المادية، لكن عموماً يفقد التطوع معناه :

  1. عندما تكون الخدمة التطوعية شكليَّة أو إذا كانت لا تلبي حاجات المجتمع.
  2. عند تقديم الخدمة التطوعية بالشكل الذي يتماشى مع حاجة المجتمع وتركيبته.
  3.  عندما لا تتحقق أي منفعة للمتطوع، أو بالأحرى حين يشعر المتطوِّع أنَّ الجهة المنظِّمة للعمل التطوعيِّ تستغله لتحقيق غايات مادية أو غايات أخرى، إذ اختصرها أحدهم بمقولة “لا تبالغ في التطوُّع فيُفرض”.
  4. يفقد التطوُّع معناه حين يشعر المتطوع بسهولة الاستغناء عنه في أي لحظة، خاصةً مع غياب الاحترام والتقدير، ولو على شكل عائدٍ ماديٍّ رمزيّ بسيط من الجهات المسؤولة عن المتطوِِّع، بينما يرى آخرون أن التطوع يفقد معناه عندما يكون هناك عائدٌ ماديٌ مباشر.
  5. عندما تدخل المصالح الشخصية، ويضيع الهدف الأسمى خلف التطوع.

تجارب عملية واقعية في العمل التطوعي

وعندما سألت عن تجارب المتابعين مع العمل التطوعي اختلفت الإجابات، فمنهم من عبَّر عن سعادته بالتجربة وأنها كانت إيجابية بل ومفصلية في حياته، ومنهم من لم يكن راضياً، ومنهم من كان بين الرضا والسخط.

في إحصائية سريعة وربما غير دقيقة تماماً، شعر نحو 90% من المشاركين بالسعادة والرضا الذاتي بسبب تقديم المساعدة للآخرين لأنهم شعروا بالسعادة بسبب التطوع بحدِّ ذاته، وليس الرضا ناجماً بالضرورة عن التجربة التطوعيَّة!

إذ أكدوا أنها كانت فترة جهدٍ وتعبٍ وتحمل مسؤولية، رغم اعترافهم بتحصيل المنافع المعنوية الكبيرة وحتى المهنية، فضلاً عن المعارف والخبرات التي اكتسبوها.

وتحدثوا عن تعرضهم لمشكلات متنوعة بسبب مشاركتهم في أعمال تطوعية، وأوضحوا أنَّ العمل التطوعيّ بشكله الحالي يفتقر إلى الحكمة، أي غالباً ما يُدار من قِبَل شباب لديهم الاندفاع والطاقة، ولكن تنقصهم الخبرة والحكمة.

مع ضرورة الانتباه إلى أنَّ إدمان مساعدة الآخرين يؤثِّر على المستقبل المهني للمتطوعين الذين يغرقون في العطاء.

كتب أحدهم:

“إنّ تطويع الأفراد من دون خبرة ومن دون تدريب هو عمل عشوائي، وتطويعهم من دون توحيد المبادئ والأهداف، هو عمل عشوائي، وكذلك يبدو تطويعهم من دون جهوزية وعتاد هو عمل عشوائي”، وأكَّد على ضرورة أن يكون التطوع ضمن بيئة عمل منظَّمة لأن ذلك يساعد على التطوير الذاتيِّ والمهنيِّ والتطور المستمرِّ، واكتساب المهارات.

كما أكَّد بعضهم على ضرورة اختيار الجهة التي تتابع المتطوِّع بدقَّة.

وشارك بعض المتابعين في تجاربهم التطوعية التي لم تكن ضمن منظمة كبيرة أو مجتمع كبير، بل فقط على قناة تليغرام مثلاً، ينشر فيها معلوماتٍ وفوائدَ وفرصَ عمل وتدريباً بمجهود فرديٍ، مع الإشارة إلى أنه ليس بالضرورة أن يتطوع الإنسان ضمن منظمة أو جمعية، ويمكن تقديم المساعدة بأبسط الطرائق!

وأنهى أحدهم الحديث قائلاً: “التطوّع إيجابي حتى مع سلبياته”.

حملات التطوُّع على منصات التواصل الاجتماعيّ

وعندما سألتُ عن الحملات التطوعية التي يُطلقها مؤثرو مواقع التواصل الاجتماعي، هل هي حملات تطوعية حقيقية؟ وهل تساعد في نشر ثقافة التطوع؟

رأى بعضهم أن الأمر متعلق بالمؤثّر نفسه، وتساءلوا: هل هو مؤثّر فعلاً أم لا؟! وهل ذلك المؤثر أو المشهور يدعم الحملات بنية صادقة بعيداً عن الإعلان وزيادة الشهرة أم لا؟! وهل هي فقط لالتقاط الصور، وإثبات وجود؟!

وأن الحملات التطوعية التي يطلقها مؤثرو وسائل التواصل الاجتماعي لا تُقارَن بالتطوع مع الجمعيات أو المؤسسات، ولكن ليست سيئة تماماً.

شارك أحدهم برأيه بناء على خبرته بالعمل مع جمعيات رسمية تُعنى بالأمراض، جمعيات تنسِّق مع المؤثرين، وأوضح أن المنفعة متبادلة وذلك شيء مشروع.

ورأى آخر أن من أولئك الذين يتابعون المؤثرين يثقون بهم بطبيعة الحال، وبالتالي ستكون الحملة التطوعية حقيقية، وستساعد تلك الحملات في نشر ثقافة التطوُّع.

التدريب الداخلي أم التطوُّع؟

أما السؤال عن التدريب والتطوّع والفرق بينهما فقد تنوَّعت الإجابات أيضاً.

كتب بعضهم: إنَّ الهدف من التدريب تحسين الجانب المهنيّ، بينما الهدف من التطوُّع إشباع الجانب الإنسانيِّ، وفي الوقت الذي يركِّز فيه التدريب على جانب محدد من المهارات لتعلُّمها، يكون التطوع أكثر عمومية، ويتناول مهاراتٍ مختلفة.

ويكون التدريب ضمن برنامج محدَّد يُفضي إلى مخرَجات محدَّدة مع الالتزام بتأهيل المتدرِّب في المهارات التي يريد تعلُّمها، وفيه التزام أكبر من التطوع.

ورأى آخرون أن لا فرق بينهما إلا في النية! فكل تطوُّع هو تدريب، وليس كل تدريب تطوُّعاً! لأن التدريب يعتمد على العقل بينما يستند التطوع إلى العقل والقلب معاً.

معوّقات العمل التطوعيّ

هنا اختلفت الإجابات بحسب البلد، ففي فرنسا مثلاً، يعاني المتطوّعون من بيروقراطية حادَّة.

أما عن التطوع بحد ذاته، فالفساد مثلاً أحد المعوقات، ويرى البعض أن غياب شخصية القائد المؤثر تؤدي إلى إعاقة في العمل، لأن القائد غير المؤثّر يحتاج إلى تلبية شعوره بالعظمة والتفوُّق على من حوله، وكثرة الأوامر، واعتبار المتطوعين أنَّهم عمال لديه.

كما غيَّرت المنظمات الأممية مفهوم التطوُّع في المجتمع السوريِّ، نتيجة لاختلاف الثقافات واختلاف تعريف التطوُّع، إذ قدّمَت تلك المنظمات تعويضاتٍ مادية، مثل بدل نقل واتصالات تفوق قيمتها ما يتقاضاه الموظّفون ذوو الخبرة من رواتب في أماكن أخرى، وهذا بدوره انعكس على مفهوم التطوُّع.

صارت الجمعيات المسؤولة عن المتطوعين ذوي الرواتب الأممية تعامل المتطوعين على أنهم موظفون، يجب أن يُوضع لهم نظام عمل مشابه للموظفين، ولكن بتسمية مختلفة، وعليه صار المتطوِّع موظفاً بشكلٍ تلقائيٍّ.

كما لا يمكن نسيان الضعف الاقتصادي الذي جعل الأولوية للعمل الربحيِّ في حياة الأفراد، وأدَّت البيئة التطوعية الفوضوية إلى النفور من العمل التطوعي أيضاً، بالإضافة إلى بعض المعوّقات المذكورة أعلاه.

كتب أحدهم عن معوَّقات التطوُّع في سوريا:

  • قلة الوقت: إذ يعمل السكان أكثرهم في عملين.
  • المشكلات المالية: كيف يمكن لمن يعيش في ضائقة مادية أن يصرف وقته في التطوع، وهو مديون أصلاً؟!
  • المواصلات: يعاني السكان في سوريا من مشكلات كبيرة جدَّاً جدَّاً في المواصلات، بسبب قلة المشتقات النفطية، وقلة عدد الحافلات، وارتفاع تكلفة سيارة الأجرة.

وبشكلٍ عامٍ تكون أحياناً الفئة المستهدفة نفسها هي من معوقات العمل التطوعي، إذ ينظرون إلى المتطوِّع على أنه عامل عندهم، ومجبرٌ على تلبية طلباتهم مهما حصل!

ختاماً مع التطوع

لخَّصتُ في هذه المقالة آراء المتابعين الصريحة دون تجميل أو تعديل، ونقلتها لكم بأمانة، ولكن ذلك لا يعني أنني أتبنى هذه الآراء أو أوافقها تماماً، ولا ريب أنّه لا يمكن إعطاء رأي ثابت في مثل هذا الموضوع، إذ لا يمكن تعميم تجربة شخص واحد على جماعة، ولكن لا يستطيع أحدٌ إنكار أهمية التطوع في حياة الأفراد، ومثله مثل أيّ عملٍ أو أيّ شيء آخر يحتاج إلى وعي وتوازن، وإدراك وهدف ،فلا يمكن السير من دون هدف بطبيعة الحال.

نهايةً يحضرني قول “توم كورلي” في التطوع: تطوَّع بشكل مستمر، وافتح آفاقاً جديدة لعملك، فالتطوُّع بطاقتك السحرية لولوج أي عالم مجاناً.

فادي عمروش رائد أعمال مجتمعي

رائد أعمال مجتمعي، باحث وخبير في الإقتصاد السلوكي وبلوك تشين و الأصول الرقمية.