رحلة الترجمة في بحر السينما

  • 1
  • 4٬360
رحلة الترجمة في بحر السينما

مع قرابة القرن على ميلادها  هل سألت نفسك ماذا لو لم تكتب الترجمة على شريط السينما؟!

عزيزي القارئ إسمح لي ان أصطحبك في رحلة قصيرة نتعرف من خلال سطورها على تاريخ الترجمة السينمائية الذي اقترب من المائة عام.

في عام 1896 كان ميلاد أول فيلم صامت في تاريخ السينما على مستوى العالم, ومع كل عوامل الجذب التي كانت تستخدم في إخراج صورة الأفلام الصامتة,  من حركة ومؤثرات صوتية إلا أن عدم وجود حوار كان أمر ممل  لكثير من الجمهور بالتحديد في الطبقات الريفية والشعبية.

لذا كان من الضروري إيجاد مايكسر حالة الملل التي تنتج عن صمت الفيلم, ومن هنا كانت بداية ظهور مهنة المفهماتي داخل دور العرض السينمائي.

المفهماتي:

رحلة الترجمة في بحر السينما
المفهماتي

هو  الشخص المسؤول عن شرح أحداث الفيلم أثناء عرضه في السينما بهدف كسر حالة الملل, وهذا ماكان يُتبع في أغلب سينمات العالم, وتعد اليابانية ” ميدوري ساوتواه Midori Sawtuah” أشهر  مفهماتية في العالم حيث كان يكتب اسمها على أفيش الأفلام في اليابان.

ويذكر ان شهرتها كانت سبب في تأخر دخول السينما الناطقة لليابان بسبب تعلق الجمهور  بها, حتى مع ظهور الأفلام الناطقة ظلت ميدوري محتفظة بمكانتها لدى الجمهور الياباني.

وفي مصر أيضًا لم تنتهي مهنة المفهماتي بظهور السينما الناطقة, يرجع ذلك الى ان غالبية الأفلام كانت بلغات أجنبية لا يفهمها الجمهور المصري الذي يتحدث غالبيته اللغة العربية.

الفانوس السحري:

في عام 1912 ظهرت اول ترجمة لفيلم سينمائي في العالم كله وذلك على يد الإيطالي ” ليوبولد فيوريللو Leopold Fiorello ” وعُرفت التقنية المستخدمة باسم الفانوس السحري, وهي عبارة  عن ألواح زجاجية يعرض عليها ترجمة الفيلم وتوضع بجوار شاشة العرض في السينما لكن هذه الطريقة لم تحظى بالإنتشار,  بسبب تكلفتها العالية كذلك لأنها لم تلقى استحسان من الجمهور حيث ان متابعة الفيلم مقسوم على شاشاتين ليست  بالأفضل.

إذا كانت كل المحطات السابقة إندثرت إذًا ماهي الحكاية وراء الترجمة التي نعرفها بشكلها الآن ومن مخترعها؟

بداية القصة في عام 1909 مع مولد طفل مصري لعائلة ارستقراطية من عائلات صعيد مصر  يُدعى “أنيس عبيد”, نعم بالفعل .. هو ذلك الاسم الذي إعتدت قراءته على نهايات الأفلام الأجنبية لسنوات طويلة والذي أحدث نقلة في معدلات إنتشار السينما في العالم .

كان “أنيس” طفل مثقف مُتقن لأكثر من لغة وهذا مامكنه من متابعة السينما الأجنبية في صباه التي كان أغلب جمهورها من المثقفين والأجانب المقمين في مصر, ولم يقتصر الأمر معه على المتابعة فقط بل كان يلعب دور المفهماتي لأصدقاءه عندما كانوا يتجمعوا ليحضروا فيلم في السينما الصيفية معًا.

بداية مشوار أنيس نحو الترجمة:

وفي عام 1932 سافر “أنيس عبيد ” فرنسا وبالتحديد مدينة باريس لكي يدرس الماجستير بعد تخرجه من كلية الهندسة جامعة القاهرة, وذات يوم شاهد بالصدفة اعلان منشور على سور الجامعة التي يدرس بها كانت فَحواه عن دورة تدريبية لتعليم الكتابة على شريط الفيلم.

وتهدف الدورة إلى تعلم  كتابة المصطلحات العلمية على الأفلام التعليمية بينما في الحقيقة غيرت تلك الدورة التدريبية مجرى حياة ذلك المهندس المصري, حين تذكر أصدقاءه في مصر وأزمتهم مع عدم فهم الأفلام والتي كانت تفقدهم جزء كبير من متعة المشاهدة .

وكيف كانت تلك هي أزمة أغلب الجمهور المصري المتابع للسينما وقتها, لذا اتجه “أنيس عبيد” للعمل في شركة “تيتراtetra- ” للطباعة فور انتهاء الدورة التدريبية ليتعرف اكثر عن عملية طباعة الترجمة.

بوابة المرور لعالم السينما:

تتر أحد الأفلام
أنيس عبيد من فيلم الوردة البيضاء

إبان  تلك الفترة بالتحديد عام 1934 جمعه القدر  بالموسيقار محمد عبدالوهاب أثناء  تصوير فيلم “الوردة البيضاء”في باريس بسبب ظروف الحرب في مصر,  وبالصدفة أُسند  لأنيس دور من جملة واحدة في مشهد مع عبدالوهاب ليكون المشهد بوابة دخول “أنيس عبيد”  الوسط الفني المصري وعلاقته بصناع السينما.

الإستسلام لسحر السينما:

عمل “أنيس” في المونتاج لفترة وبعد انخراطه في عالم صناعة السينما قرر ان يترك الهندسة ثم يعود إلى مصر ليفتح فرع شركة تيترا في مصر بالشراكة مع نفس المالك الفرنسي للشركة, وتعد هذه هي الخطوة الحقيقية لتحقيق حلمه في ترجمة الأفلام.

لكن الأمر لم يكن سهلًا ليس فقط لضعف الإمكانيات في مصر بل لأن صناع السينما لم يقتنعوا بأهمية الترجمة,  ربما ذلك لأن  الجمهور غالبيته من الأجانب المقمين في مصر والطبقات الارستقراطية التي يجيد أبنائها اللغات الأجنبية.

أصر “أنيس” على أحقية الجمهور المصري في متابعة وفهم السينما العالمية فخاض معركة ضدد اصحاب دور العرض, كتب العديد من المقالات في الصحف يشرح فيها أهمية الترجمة السينمائية وكيف ستغير من صناعة السينما في مصر.

وفي عام 1939 صدر قرار من مجلس الوزراء بإلزام دور العرض السينمائي بعرض الأفلام الأجنبية مترجمة باللغة العربية, لكن بكل أسف جرت الرياح بما لاتشتهي السفن وإندلعت الحرب العالمية الثانية عام 1940 لتقف صناعة السينما في العالم ويقف معها مشروع الترجمة حوالي ستة أعوام.

مابعد الحرب والتحضير لأول فيلم مترجم:

مع انتهاء الحرب ظن اصحاب السينمات ان “أنيس عبيد” قد نسي مشروع الترجمة ولكنه فاجئهم بأنه قام بتحضير مجموعة من الأفلام القصيرة مكتوب عليها الترجمة, ليستطيع اقناعهم من خلال نموذج ملموس يوضح فكرته وبالفعل نجح “أنيس” ان يكسب معركته هذه المرة بسهولة وعُرض أول فيلم عالمي مترجم للغة العربية في السينمات المصرية عام 1946 وهو فيلم ” روميو وجوليت”.

ليست هذه نهاية الرحلة فالكتابة على شريط الأفلام لم تكن عملية سهلة إطلاقًا, بل كانت عملية معقدة جداً وفي الغالب تأبى بتلف في شريط الفيلم وطلب نسخة أخرى بتكلفة أكبر.

فالترجمة في البداية تكتب على شريط النيجاتييف ثم يُختم عليها بمادة شمعية لكي تحافظ على الكتابة من المسح, لذا كانت تعرف بمعامل الترجمة وذلك لأن العملية كيميائية معقدة فالأمر حقًا كان مجهد جدًا ومكلف أيضًا.

إختراع “أنيس عبيد”:

رحلة الترجمة في بحر السينما
ماكينة أنيس عبيد لطباعة الترجمة

لم ينس “أنيس” كونه مهندس لذا سرعان ما إستحضر فكره الهندسي لتطوير عملية طباعة الترجمة وفي عام 1950 سجل “أنيس عبيد” براءة  اختراع آلة طباعة ميكانيكية, تقوم  بطباعة الترجمة على شريط السينما 16 مللي وسوف يقوم بتصدير هذا الإختراع للعالم لتتغير من خلاله آلية طباعة الترجمة في السينما العالمية.

في عام 1960 بعد افتتاح التليفزيون المصري زار الرئيس الراحل “جمال عبدالناصر” شركة “أنيس عبيد” للترجمة والتي قام بتأسيسها بعد انفصاله عن معامل تترا, انبهر “جمال عبدالناصر” بإختراعه وقرر إسناد ترجمة اي مادة فيلمية غير عربية سوف يعرضها التليفزيون لأنيس عبيد.

هذا التكليف أشعر “أنيس عبيد” بالمسؤلية ولأنه مؤمن بدور الفن في التبادل الثقافي و ان الترجمة هي حلقة الربط بين الفن والجمهور قرر فتح قسم خاص بترجمة السيناريو في شركته, فبعدما كان يأتيه النص مترجم وهو فقط يقوم بطباعته على الفيلم أصبح هو المتحكم في العملية ككل بداية من ترجمة النص حتى طباعته على شريط الفيلم.

وقد وضع “أنيس عبيد” شعارًا له ” على المترجم ان يراعي الدقة فيما يتم تقديمه, خصوصًا في الألفاظ الشائكة, وأن يكون رقيبًا ثانيًا على مايشاهده من أفلام

لذا كان يلجأ لجمل مثل ” تباً لك” و” إذهب الى الجحيم” وغيرها للتعبير عن اللفظ الخارج دون ترجمة خادشة للحياء.

جدير بالذكر ان قرار “أنيس عبيد” ليس فقط بسبب المهمة التي أُسندت لشركته من الدولة, ولكن جاء ذلك بعد ان استساء مرارًا من مستوى ترجمة النصوص وبالتحديد الألفاظ والتعابير الخارجة.

ولكي يكون جدير بذلك درس اللغة العربية وأتقنها وحفظ جزءًا كبيرًا من القرآن الكريم ليساعده على إتقان العربية, كما ألحق بناته الثلاثة بكلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية لمساعدته بقسم الترجمة في الشركة بعد التخرج.

لاشك ان انتشار الترجمة أحدث زيادة لعدد الجمهور في دور العرض السينمائي وزادت معه شهرة “أنيس عبيد” في الوطن العربي والعالم, فتم افتتاح فرع لشركتة في لبنان والتي كانت تعتبر العاصمة الثانية للسينما العربية بعد مصر.

على مدار أكثر من أربعون عام و “أنيس عبيد “مُحتكر سوق الترجمة بدون منافسة, كُتب اسمه على أهم أفلام هوليود وتوسع انتشاره حتى وصل للسينما الهندية والروسية والفرنسية.

ومع ظهور الليزر كانت شركته من أوائل المواكبين للتطور لكنه لم يهمل اختراعه قط وظل يستخدمه حتى وافته المنية في عام 1988, بهذا يُسدل الستار على رحلة أشهر المساهمين في انتشار السينما الأجنبية في الوطن العربي ووصول السينما المصرية والعربية لكل العالم.

بعد رحيله أكمل أبناءه مسيرته وظلت الشركة تعمل تحت إداراتهم, وفي عام 2000 ظهرت الأفلام الرقمية “digital film” لينتهى عصر استخدام خام ال16 مللي وأصبحت الترجمة تُنسخ على الفيلم ببرامج الحاسب الآلي دون الحاجة لعملية الطباعة, بالرغم من ذلك ظلت ترجمة أنيس عبيد هي النموذج الذي يتبعه أي مترجم جديد.

رحلة الترجمة في بحر السينما
تتر أحد الأفلام

تلك باختصار هي رحلة الترجمة ومسيرة أشهر الاسماء في عالم الترجمة السينمائية, الذي بدونه لم يكن هناك أجيال كبُرت مع برامج التليفزيون مثل “نادي السينما” و”إخترنا لك” فهم نافذة البيت المصري والعربي على الأعمال الأجنبية.

ومن الممكن أيضاً ان لا تنتشر السينما العالمية في الوطن العربي بدون الترجمة ولا كانت الأفلام العربية ستشارك في مهرجانات دولية مثل كان وبرلين وفينيسيا.

لقد كان “أنيس عبيد” الملهم للكثير ورافق اسمه عدة أجيال في رحلتهم لفهم المحتوى الأجنبي, سواء كان سينما او تليفزيون او حتى محتوى تعليمي.

فمن خلال تجربته انتشرت مهنة المترجم ووصلت ترجمة الأفلام لأهميتها ومكانتها التي عليها الآن, وبالتأكيد انها لا تقل اهمية عن جودة الفيلم نفسه.

ياسمين عبدالرسول كاتبة

صحفية وكاتبة سيناريو ومحتوى.