ما وددت البوح به لوالداي

  • 1
  • 1٬424
ما وددت البوح به لوالداي

تدوينة: سارة طارق محمد

كان يقول:

أتساءل  في كل ليلة عن ذلك الجرحّ الغائر الذي خلفته السنين في صدري؛ حيث كان من المفترض أن أجد ذاك الصدر الحنون الذي يغمرني بالمودة، الدفء والحب تلك الأيادي التي تملأ عالمي بالود والأحلام الوردية، أتساءلْ كيف تحولَ بيتي إلي سجن كبير، وبات عقلي أقرب للجنون!!.

أمي: في كل مرة كنت أخشى أن  أبوحُ لكِ أخاف من نظراتكِ الغاضبةِ، حرمانك المُمِيتْ  قهراً على قهر امتد بداخلي صانعًا ألف حاجز، إلى هذه الدرجة  هنتْ عليكِ؛ تمرُ بداخلي عشرات من الصور تجمعنا لماذا كلها مشوهة؟  وكأن حضنك الدافئ بات شوك غائ؛ يا أمي أنا ذاك المُعذب الحائر بين الحقيقة والعاطفة، فالحقيقة تقول: أنت ذاك المنبوذ الملعون المحروم من أي حبٍ مكنُون، والعاطفة تئنٌ من لوعتِها يا أمي.

 هنا، هنا حيث تاهت أفكاري المٌغلفة بالاشتياق، فأنا  كما صورتِ لي ذاك الشيطان المطرود من رحمتك، هل تَريِنِّ حُزنِي ولوعتي، اضطراب أنفاسي وبراكين قلبي، كم من مرةٍ وددت احتضانك ولكنَ بات حُضنك  قاسيا يا أمي وبات قلبي ينفطر، أحسست حينها بأن فؤادي يذوب ويتلاشى والكون من حولي يندثر، أتساءل؟ ماذا عن شعوري  بأن لم تعد لي أم وأنتِ في حياتي وتربطني بكِ علاقةٌ باللحم والدم، أحبك دائًما ولكن  يبقى السؤال متى كل هذا الحزن الذي خلدته بقلبي سيزول .

أبي: الغائب الحاضر ذو الفكِر الشَارد والسب واللعن الدائم،  أتراني؟! أنا ذاك المُرتعدِ الخائف، المكبل بفروض الطاعة الدائمة وإلا يجلدني حزامك فيصبح كالسوط في قلبي، وينحت على جسدي، صانعًا لوحة من الألوان تشهد على مأساتي، قاتلةً معها أحلامي، ومشيرة إلى بأصابع الاتهام. وددتٌ أن تكونَ ذاك السندِ الحَنُون الذي أتكئ عليه من عقبات الحياة ويساعدني في تجاوزها لا أن يكون هو العقبة ويتركني لتعصف بي الحياة.

في معظم البيوت تسكن حكايات مثل هذه وتختبئ، آن الأوان بأن نسلطَ الضوء على الإساءات المتكررة، المشاعر المختزلة و الغضب العارم.

اليوم أتحدث على لسان الأبناء إليكم. أنتم من أنشأتم ذاك الطفل الخجول الثائر، كيف حولتم ذلك الرباط السامي رباط الأمومة  والأبوة لحبل يبتلع الأبناء بردات الفعل المشروطة مغلفة بحجة التربية والحب والمصلحة صانعة معها دهراً من فقد الذات والحرمان، لم تكن المشكلة قط في الأبناء بل كانت في أسلوب التربية فكما يقول الدكتور عماد رشاد عثمان في كتابه أبي الذي أكره:

“أن الأسرة ببساطة بيئة احتضان – تهَدَوِيَّة – لقلق مقابل الوجود، يدخلها الإنسان لتحميه في البدايات لحين اكتمال نمو أدواته الخاصة التي يتمكن عبرها من مقابلة الوجود بشكل فعال وذاتي، وغياب تلك البيئة لا يهدد بقاء الكائن في طفولته فقط، بل يُعطل من نمو ادوات التعامل مع العالم تلك، مما يهدد بقائه حتي بعد بلوغه أيضًا”

فنعم، التربية هي أسمى ما في الوجود ولها كل التقدير وأجر عظيم عند الله، ولكن كيف شعور الأبناء وهم يسَاقُون كالماريونيت (الدمى الخشبية) بحجة التربية و يقدمون أنفسهم قربانًا من أجل شعور المحبة، ماذا عن الإساءات مثل المقارنات، الطرد، التجاهل ،التفرقة، الإهمال، الخذلان، الألقاب النابية، كبت المشاعر، صراعاتكم أمامنا وغيرها من الإساءات الروحية  والنفسية أتعلمون كم تضع  إساءتكم بداخلنا ألف شعور أبرزهم الهجر، الخوف، الخزي وأشياء أخرى.

فالطفل كبُرعم زهرٍ  ينمو في  بيئة صالحة مدعومة بالحبٍ والقبولٍ والودّ ومساحة الأمنِ بلا صراعاتٍ أو تجميد لمشاعرهم في مراحل نموهم الأولي حتي لا تتلف بذرة نموهم في الصراعات والخلافات والإيذاء البدني والنفسي مما يؤدي بعد عمر إلى شرخٍ في قلوبهم واغتراب دائم في ذواتهم، فيبحثون عن الحب  في كل وادٍ  فتتقاذفهم أمواج الحياة وتلقي بهم هنا وهناك، وشعور الهجر والجلد الذاتي يتفاقم بداخلهم ويحاوطهم، والخوف الدائم يسكنهم فأصبحوا كالمحاصرين الشاردين الوحيدين في حياتهم  بلا واجهة أو رفيق، فارحموا بذرتكم ، افتحوا لهم القفص ودعوهم يغردون بحب وتربية سليمة  وحرية، اسقوهم بكل معاني المودة والأمن والحنان، حتى لا يصبح ذنبهم حياة مشروطة بالماضي مربوطة وجميع أبواب الحياة بداخلهم مسدودة.

 ختامًا  هناك فرصة  دائماً للتغيير فكما تتغير عقارب الساعة يمكنك تغيير أسلوبك في معاملة أبنائك بلا  إساءات، امنحهم الحب و الدعم  الدائم بلا شروط أو منازعات أو تجميد لمشاعرهم وعندها ستزهر حياتك وحياة أبنائك بالود والحب وشعور أبنائك بالامتنان.

مدونات أراجيك ناشر

في مدونات أراجيك نتساوى جميعًا كقراء وكتّاب، حيث الكل يسرد قصته التي لمس منها درسًا مهمًا كان لابد من مشاركته مع الآخرين. لن نقدم لك نصائح أو معلومات أو أخبار، بل سنتلقى منك أيها القارئ العزيز تجاربك الملهمة في الحياة، والتي خرجت منها شخصًا جديدًا للعالم، وسنشاركك أيضًا تجاربنا لنتبادل المعرفة والفهم ونتعامل مع الحياة بشكل أنضج.