أن نرى لا أن ننظر!

أن نرى لا أن ننظر!

عندما يُرينا الآخرين حقيقتهم في أول الأمر، لنصر نحن على التعامل مع ما تخيلناه منذ البداية، وليس مع حقيقتهم. في هذه الحالة لا يمكننا أبداً أن نوجه اللوم أو الاتهام لأي شخص سوانا.

سبق وذكرت أمر المنظور الخاص في تدوينة سابقة، وعن أننا نفعل كل شيء ونفكر في كل شيء وفقاً لمنظورنا الخاص، ولما يراه عقلنا ويقرره، وليس وفقاً لحقيقة الوضع، وجميعنا نعرف هذا ونعترف به سواء عملنا وفقاً له أم لا.

المهم أننا نرفض الحقائق والوقائع التي أمامنا ونتعامل مع ما يصوره لنا عقلنا لعدة أسباب، لا يهم عددها أو إختلافها ففي النهاية نعرف أن ما نتعامل معه لا يستحق أن يُقدر مثلما قدرناه، لكننا نستمر بالتصرف بالطريقة التي قررنا أن نتصرف بها عالمين كيف سينتهي كل شيء.

في البداية نحاول أن نظهر بمظهر جيد وشخصية إستثنائية، فيحاول بعضنا أن يجمل من نفسه ومن طباعه وتصرفاته حتى يعطي إنطباع للآخر بأنه شخص يستحق العناء. وهناك أشخاص لا يحاولون أي شيء على الإطلاق لإبهار الطرف المقابل، يتصرفون على طبيعتهم ويظهرون لنا ألوانهم الحقيقية بكل وضوح وصراحة مع إختلاف أسبابهم.

البعض يعتقد أن الصراحة في البداية ستوفر الكثير من الوقت على الطرفان وستجعل الأمور أوضح ولن يكون هناك أي توقعات أو آمال من المستحيل تحقيقها، والبعض الآخر يعتقد أنه ليس بحاجة لبذل مجهود التخفي والتجمل لأنه يرى الطرف المقابل جيداً ويعرف أنه سيتقبل منه كل ما يقدمه ويفعله تحت أي أسم يختاره، أن يمارس ما يمارسه عليه من أفعال سواء كانت طبيعة شخصية أو تلاعب به أو أي كان.

معظمنا يرى ويدرك جيداً ما هو مقبل عليه، نرى الشخص أمامنا جيداً ونعرف إلى أين نتجه سوياً، ولكن عقولنا تصور لنا عكس الحقائق التي لمسناها بأيدينا ورأيناها بأعيننا. تصور لنا عقولنا أشخاص تمنينا وجودهم في حياتنا، وتصور لنا طباع وأفعال تخيلناها في أحبائنا ورأيناها في الأفلام والروايات، تصور لنا مواقف نحياها عشرات المرات يومياً، ولكن للأسف لم نحصل عليها. فندأ بخداع أنفسنا ونبرر كل ما لا يجوز تبريره، نقنع أنفسنا أن التصرفات التي يفعلها الآخرين أو طباعهم مجرد ستار يخفي وراءه كل ما إشتهيناه يوماً في الحياة، بينما الحقيقة أننا نحرق أنفسنا من آجل الآخرين بإختلاف دوافعنا_ حتى نحيا في الأوهام التي صنعتها عقولنا_ إلى أن نفيق بعد أن نفقد الكثير بلا أي سبب سوى أننا نواصل خداع أنفسنا منذ خلقنا الله إلى الآن، بينما كان بإمكاننا تلافي حدوث كل هذا لو وثقنا بحواسنا وبما شعرنا به في اللحظات الأولى، لو أننا وثقنا فيما قدمه لنا الآخرين وبما عرفوا به أنفسهم من البداية وحتى ينتهي الأمر. لو أننا قررنا أن نحيا بالفعل ونغتنم اللحظات الحقيقية بدلاً من مطاردة الأوهام.

سارة الشافعي مدونة

خريجة حقوق وأحب مشاهدة الأفلام والبرامج الوثائقية والقراءة في شتى المجالات.