فادي عمروش المدير التقني - مؤسسة نيوفيرستي التعليمية

ملخص كتاب “نحو كائناتٍ متساويةٍ” لـ دانيال لاريمر

ملخص كتاب "نحو كائناتٍ متساويةٍ" لـ دانيال لاريمر

تفشل المشاريع الجماعيَّة معظمها، وأفكار تنظيم التجمُّعات كلُّها، والمجتمعات المحلِّيَّة حين تحاول بناء أنموذج حوكمةٍ ناجحٍ؛ إذ يتحوَّل الأمر -بشكلٍ أو بآخر- مباشرة إلى بناء تحالفاتٍ وسيطرةِ لوبيّ معيَّنٍ على اتِّخاذ القرار وأخذ الجماعة بالاتِّجاه الذي يريده. وحتَّى في لعبة الانتخابات الديمقراطية الحرَّة؛ يجمع المؤثِّرون الأصواتَ من غير المهتمِّين بالعمليَّة الانتخابيَّة، ويحققون الأغلبيَّة البسيطة 51% التي تؤدِّي بهم إلى إعلانهم ممثِّلين شرعيِّين عن المجتمع كلِّه.

يتحدّث ريك فالكفينج في كتابه نهج السرب عن ظاهرة مقياس هايزينبرج وتأثيرها في المنظّمات. تتلخَّص فكرته في كون الأفراد يعمدون الوصول غير المشروع باستغلال ثغرات أي مقياسٍ عند تثقيل بعض وسائل القياس وتحديدها على أساس أنَّها طرائق نجاحٍ. يكون ذلك إمَّا بالاجتهاد لتحقيق نقاطٍ عاليةٍ، وإما باتِّخاذ طرائق ملتويةٍ لتحقيق نقاطٍ عاليةٍ؛ ما يؤدِّي إلى تشويه النتائج وعدم تعبيرها عن كفاءة المتسابقين الحقيقية. وللأسف، يحدث الشيء نفسه على المستوى السياسي.

يحدث –عادةً- أن يركِّز المرشَّحون على عمليَّة الفوز بالانتخابات لحوكمة الفريق أو الجماعة، ويكون هدف الفوز مختلفًا تمامًا عن تمثيل الفريق الحقيقيِّ فعلًا، خاصَّة مع ألعاب السياسة الحاليَّة مثل حملات المناصرة السياسيَّة، والتشهير بالسياسيِّين، وسياسات التركيز على الهويَّة وإقصاء الآخر، والتلاعب بالأصوات، والتلاعب في ترسيم الدَّوائر الانتخابيَّة، والجدالات والمناظرات التلفزيونيَّة. ولا يمكن الجزم أنَّ ذلك يقود إلى تمثيلٍ عادلٍ للجميع في الحوكمة.

لفتت نظري واهتمامي كتابات دانيال لاريمر واهتمامه في بناء المجتمعات اللا مركزيَّة وتجاربه الطويلة في هذا المجال منذ 15 عامًا. ورغم الضجَّة التي تحيط به لأنَّه متّهمٌ بالتخلّي عن مشاريعه بشكلٍ أو بآخر باعتبارها مجرَّد تجارب -رغم وصول تقييم بعضها إلى مليارات الدُّولارات ذات لحظةٍ- تناقش كتاباته –بهدوء- مواضيع الحوكمة في المجتمعات، خاصَّة في فضاء اللا مركزية والبلوكتشين (سلسلة الكتل).

يصف لاريمر نفسه بأنَّه مبرمجُ كمبيوتر واقتصاديٌّ وخبيرٌ في نظريَّة الألعاب ورائد أعمالٍ، وأنَّه كرَّس حياته -وفق مفرداته- على مدار الخمسة عشر عامًا الماضية في إنشاء حلولٍ برمجيّةٍ تقدِّم الفائدة للمجتمع، ومدافع عن حقِّ الحياة الكريمة والحرِّية والملكيَّة الجماعيَّة والعدالة للجميع.

جمع لاريمر خلاصة ما توصَّل إليه في كتابه “نحو كائناتٍ متساويةٍ: الفنُّ الخفيُّ للدِّيمقراطيَّة الحقيقيَّة“. ويمكن اختصار الكتاب في محورين: “الوصول إلى الإجماع” و”توظيف العشوائية لمنع التّحزّب”، وهذا ما يسعى له الكاتب ويراه حلًّا يرضي كلَّ الأطراف اليوم وبعد ألف يومٍ.

تجب الإشارة هنا إلى أنّ اسم الكتاب في نسخته الأصلية الإنجليزية “More Equal Animals: The Subtle Art of True Democracy”؛ أي لو أردنا الترجمة حرفيًّا لكانت “نحو حيوانات متساوية”، ولا يقصد الكاتب طبعًا التقليل من البشر فليس ذلك إلا إسقاطًا من الإسقاطات الكثيرة التي سنراها في النص؛ إذ يقتبس الكاتب من جورج أورويل مؤلف رواية “مزرعة الحيوان” هذا الاسم، قاصدًا حلَّ مشكلة التسابق للسلطة التي وقعت بها الحيوانات بعد سقوط الحكم البشري السابق في القصة، ولذلك فهو يقتبس عنوانه من الاقتباس الشهير في الرواية “جميع الحيوانات متساوية، لكن بعضها أكثر مساواة من غيرها”. وعليه؛ جاء الاسم بالإنجليزية. لقد اخترت تغيير الترجمة بالعربية لتخفيف الوطء على القارئ، خاصة أنّ سياقها لن يكون واضحًا.

قد يكون لكلمة العشوائية وقعٌ قاسٍ على المستمع الناطق بالعربية. ولأخفِّف من ذلك الوقع؛ بحثت في التاريخ عن حوادثَ تاريخيةٍ وظَّفت العشوائية من خلال اتِّخاذ القرارات، فوجدت قصصًا مختلفةً في التاريخ، ولعلَّ القصة التقليدية التي تخطر على البال تلك التي وَردت في السيرة النبويَّة للرسول محمَّد -عليه الصَّلاة والسّلام- قبل البعثة عندما جدّدت قريش الكعبة، وحين همّوا بوضع الحجر الأسود في مكانه واختلفوا في ما بينهم على من سيضع الحجر! فكلّ واحدٍ منهم يطمح –بالطبع- لنيل شرف وضع الحجر الأسود في مكانه، وكاد النزاع يدُبُّ بينهم حتّى اتّفقوا بالاحتكام لأوَّل رجلٍ يدخل إليهم في البيت الحرام. هنا، وُظّفت العشوائية بالاحتكام لأوَّل شخصٍ، ومن ثمَّ تنتهي القصة -كما نعرف- بنجاح ذلك الاحتكام عندما حلَّ الرسول -عليه الصلاة والسلام- المشكلة، وأوقف النزاع واقترح وضع الحجر الأسود على ثوبٍ، ثمَّ أمر كلَّ قبيلةٍ بمسك طرفٍ من الثوب ثمَّ رفْعه معًا، وبذلك نالوا الشرف جميعهم.

ولا أدَّعي هنا أنَّني بحثت مطوّلًا في الموضوع من الناحية الشرعيَّة، ولا أحبُّ صراحةً أن ألوي عنق النصوص لتبرير أنَّ العشوائية أمرٌ محبَّذٌ، ومرغوبٌ فيه، ولكنَّني ببحثٍ سريعٍ وجدت أنَّ مصطلح القرعة مقبولٌ في الشرع، كما يُنسب إلى ابن القيم قوله: القرعة قد ثبت لها اعتبارٌ في الشرع، وهي أقرب إلى العدل، وأطيب للقلوب، وأبعد عن تهمة الغرض والميل بالهوى، إذ لولاها لزم أحد الأمرين: إمَّا الترجيح بالميل والغرض، وإمَّا التوقُّف وتعطيل الانتفاع، وفي كلٍّ منهما من الضرر ما لا خفاء به، فكانت القرعة من محاسن هذه الشريعة وكمالها وعموم مصالحها.

وبالعودة إلى القرآن الكريم، فقد وجدت أمثلةً عن اللجوء إلى القرعة في الاحتكام، فمثلًا: نجد استخدام القرعة فيمن يكفل مريم، قال تعالى: (وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهُمْ أيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ) (سورة آل عمران: 44)، أو القرعة بمن يرمونه من السفينة التي ركبها يونس، قال تعالى: (فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ المُدْحَضِينَ) (سورة الصافات: 141)، وجاء في السنَّة النبوية أنَّ الرسول -عليه الصلاة والسلام- كان إذا أراد سَفَرًا أقْرَع بين نسائه، فأيّهن خَرَج عليها السهم سافَرَ بها. وغير ذلك من الأمثلة والشواهد التي ليست مجال حديثنا الآن وإنَّما وجدت نفسي مضطَّرًا إلى الإشارة إليها مرَّة أخرى للتَّخفيف من وقع كلمة العشوائية، وربطها بالفوضى أو اللا مبالاة، ولو أتيح لي اختيار كلمة لطيفة لاخترت كلمة “لا على التعيين” أو “فسحة احتمالية”، ولكنني لا أفضّل التلاعب بالترجمة.

وبالعودة إلى الكتاب، يدعونا الكاتب –بدايةً- إلى أن نتجرَّد ونقف عراةً من أيِّ أفكارٍ ومعتقداتٍ سابقةٍ قبل قراءة الكتاب، والتنصُّل من أيِّ انتماءٍ عدا انتمائنا البشري، والابتعاد عن أيِّ طموحٍ سوى الطموح بمستقبلٍ مُرضٍ لكلِّ البشر، واضعين كلّ أفكارنا على المحكِّ، ومع افتراض خطئها مرةً واحدةً على الأقلِّ.

 يناقش لاريمر ما سمَّاه عصر الأنظمة الاستبدادية، فكلُّ ما حولنا الآن من ديمقراطياتٍ وحريَّاتٍ ما هي إلا استبدادية منمَّقة، والأكثرية فيها محض أقلية، فالكونغرس الأمريكي -حسب ما يقول الكاتب- لم يتجاوز معدَّل الإجماع فيه 30%؛ ما يشي بحجم مشكلة الإجماع في أمريكا. فلو فرضنا جدلًا أنَّهم سياسيُّون نزيهون -وهو أمرٌ مشكوكٌ فيه- لكان كلُّ قرارٍ يُتَّخذ هو تغليبٌ لرأي أقليَّةٍ متجمِّعةٍ على رأي أكثرية مشتتة. أي؛ هو قرارٌ لا يمثل سوى 30% من الشعب، هذا لو اتَّفقنا على أنَّهم يمثِّلونهم حقًّا.

هنا، يلخِّص الكاتب أزمة أمريكا في الأحزاب السياسية التي تفرّق الشعب عوضًا عن تقريبه، وتثير التعصُّب والنزعات بين أفراده المنتمين إلى أحزابٍ عدَّةٍ عوضًا عن انتمائهم إلى أمريكا، ويضع إصبعه في عين المشكلة في أنَّ الشرط الأساسي لتحصل على فرصة نجاحٍ في الانتخابات هو انتماؤك إلى أحد الحزبين: الديمقراطي والجمهوري، أو -كما يسمِّيها الكاتب- الدينو والرينو.

يعرِّج لاريمر ليتعثر مع القارئ بالمشكلة الأساسية التي يجب على كلِّ حكومةٍ تدَّعي الديمقراطية معالجتُها، التي هي: جهل العامَّة السياسي وعدم رؤيتهم الصورة الحقيقية، وانخداعهم بالمباريات الانتخابية والخطابات وإحصاءات الإعلام، فيختارون الأكثر قدرة على التأثير في الإقناع بقدرته على قيادة أمريكا لا أكثرهم مهارةً وخبرةً وصلاحًا لذلك. الحلُّ الذي يطرحه الكاتب ليس بتثقيف الناس، لأن ذلك يستغرق وقتًا وجهدًا واهتمامًا كبيرًا، إنما بتسهيل الفهم عليهم، والتخفيف من التهريج الانتخابي حتَّى يتَّخذ كلُّ فردٍ قرارًا عقلانيًّا يعبِّر عنه حقيقةً.

إنَّ الديمقراطية الحقيقية -من وجهة نظر الكاتب- هي التي تؤسِّس للوصول إلى إجماعٍ حقيقيٍّ وسياسة فض نزاعاتٍ وحوكمةٍ قويةٍ تنظِّم وصول الأحزاب والتنافس بينها. يركِّز الكاتب على ضرورة توفير استقلاليةٍ قويَّةٍ لكلِّ ولايةٍ؛ مَا يمنحها القدرة على اتِّخاذ قرار البقاء أو الانفصال بما يناسب توجُّهات الشعب لا بسبب التبعية للولايات القوية. ويؤكِّد أيضًا ضرورةَ توفُّر هذه الاستقلالية في المجتمع المحلي والأسرة، وإلغاء قوانين الأسرة التي تشجِّع على تفكُّكها، وبالتالي تفكُّك اللبنة الأولى في استقرار المجتمع.

يطرح الكتاب حلًّا لأزمة التنازعات السياسية بالعشوائية، فما دام هدف كلِّ سياسيٍّ هو تطوُّر أمريكا ونجاحها، فلا يهمُّ من يصل إلى رئاسة الولاية أو الفيدرالية كاملةً، بل يكفي أن يصل الأكثر خبرة وقدرة. إنَّ العشوائية التي يقترحها الكاتب هي عشوائية الاختيار بين 1% من أكثر أفراد الشعب مهارةً على تحقيق إجماعٍ بين الشعب. يكون الأمر بتقسيم الشعب على وحداتِ بناءٍ صغيرةٍ عشوائيًّا، ويخرج من كلِّ وحدةٍ ممثّلٌ منتخبٌ يمثِّلها، ثمَّ تعاد العملية بين هؤلاء حتَّى نصل إلى شخصٍ واحدٍ يحقِّق إجماعًا يوافق عليه الجميع، لأنَّ كلَّ فردٍ ساهم في وصول هذا الاسم إلى السلطة بطريقةٍ عشوائيةٍ بحتةٍ تمنع أي تحزُّبٍ أو تلاعبٍ أو وقوع السلطة في أيدي أصحاب توجُّه معيَّنٍ.

تفاضل سطور الكتاب في فصل “الخطر الأخلاقي” بين الأنظمة الرأسمالية والشيوعية والاشتراكية والليبرالية، ويشير إلى مخاطر أخلاقية في منح الشعب السلطة كاملة حتى قمَّة الهرم لكي تحمي حقوقهم؛ ما يعيدنا إلى دائرة المركزية التي يتحكَّم فيها الرئيس ودائرته المقرّبة التي لا تعدو عند عدد دونبار. أي؛ 150 فردًا في البلد كاملًا.

يخبرنا الكاتب في حديثه عن هيمنة الشركات بالخطر المتمثِّل بالتبعية للشركات الكبيرة وتفضيل تحقيق مكاسب صغيرةٍ على تحقيق الاستقلالية مستقبلًا، فالشركات الكبرى -أو الدول الكبرى- قادرةٌ على تقبُّل الخسارة وتحمُّل المنافسة الشديدة التي لا تتحمَّلها شركات السوق المحلي؛ ما يؤدِّي إلى إفلاسها وخروجها من السوق. وينمِّي الاحتكار لصالح بعض الشركات القويَّة؛ ما يزيد من قوَّتها أكثر فأكثر، فيصبح المجتمع المحلي عبدًا لهذه الشركات، على الأقلِّ في السلعة التي تبيعها.

يتطرق الكاتب في فصل “السلطة مقابل الثروة” إلى أنَّه لا قيمة لمناقشة الديمقراطية ودعوته إلى اللا مركزية دون مناقشة العلاقة بين الثروة والسلطة. ينحصر اهتمام الشعب في توزيع الثروة ويراها أكثر أهميَّة من السلطة، مع أنَّ الأخيرة هي التي تحمي الأولى وتنمِّيها وتحافظ عليها. تتشكَّل الثروات من تركيز قوَّة الشعب وجهود الفردية في خدمة فردٍ واحدٍ. أي؛ تتشكَّل الثروات بتركيز السلطات الفردية وقرارات كلِّ فردٍ في سلطةٍ أكبر. يرى لاريمر أنَّ علينا -نحن الشعب- أن نُحَوكم السلطة في المقام الأوَّل، ثمَّ ننتقل إلى خوفنا الأزلي بشأن المال، لأنَّ من يملك السلطة يملك المال، فلو وصل الشعب إلى من يمثِّله تمثيلًا حقيقيًّا تلقائيًّا، سيسعى هذا الممثِّل لاستخدام السلطة التي مُنح إياها في تحقيق رغبات وحاجات الشعب الذي مثَّله.

يفرد الكاتب فصلًا لمناقشة “توزّع الموارد الطبيعية”، ومنع تركيزها في أيدي القلَّة وفق مخطَّط باريتو الذي يقول إنَّ 10% من البشر يمتلكون 90% من الثروة الكليّة، فيدعو إلى وضع أسس اقتصادٍ جديدٍ لا يحارب الرأسمالية لأنَّها حقٌّ بشريٌّ، بل يخفِّف من أثرها عبر تعديل توزيع باريتو وخلق نوعٍ من التوازن لتتركز الثروة في يد 30% من البشر.

يتطرَّق لاريمر في فصل “العقود الذكية” إلى قصور العقود التقليدية التي تقوم على وعد الشخص بالحصول على تعويضٍ من دون ضمان، ويُشدد على أنَّ العقد الحقيقي الذكي هو العقد المرتبط بضمانٍ؛ أي إذا لم يتحقَّق الشرط يؤخذ الحقّ من الضمان والرهينة، وهذا مبدأ العقود الذكية في سلاسل الكتل التي يقترحها الكاتب، الذي يعدّ حلًّا عمليًّا وحقيقيًّا للديون. الفكرة المهمة هي أنَّ العقد الذكي في البلوكتشين هو عقدٌ شرطيٌّ مؤتمتٌ يتمُّ دون تدخُّلٍ بشريٍّ وبناءً على اتِّفاق الطرفين: يقدِّم الأول قرضًا فيما يقدم الآخر ضمانًا لإعادة القرض في موعدٍ محدَّدٍ؛ أيْ لا يوجد عقدٌ ذكيٌّ من دون ضماناتٍ، على عكس القروض الحالية التي تُعطى بناءً على السمعة المالية.

يعالج الكتاب في فصل “العدالة الديمقراطية” التكاليف المرتفعة لفرض العدالة في الوقت الحالي، إذ يبادر الناس لرفع الدعاوى، واستنفار الشرطة عند أدنى مشكلةٍ تحدث معهم، وهذا من حقهم طبعًا، لكن لا يعلمون أنَّه سيكلفهم فاتورةً جماعيةً تُدفع للمحامين والمدَّعين العامين والسجون والقضاء، ربَّما تتجاوز قيمة الخسائر الحقيقية، طبعًا لا يدعو إلى منع الناس في المطالبة بحقوقهم لكن إلى تسليم الدفَّة إلى شركات التأمين التي تتابع في القضايا التي تحقِّق ربحًا أكبر من كلفة القضايا، وتترك القضايا التي تحقِّق كلفةً إضافيةً على الخسائر الناتجة، أو تسعى لإيجاد حلولٍ أكثر ربحًا تحقِّق الرضا للجميع؛ ما يقلِّل من عدد المحاكمات، ويقلِّل من الكلفة العامَّة المفروضة على المجتمع على شكل ضرائب. يصارحنا لاريمر فيعترف بقصور الأنموذج الذي يقترحه، ووجود الكثير من الثغرات فيه، لكن يدعو إلى تطويره بناءً على الصورة العامَّة التي يقترحها.

يتقارب لاريمر -نسبيًّا- مع فكر أحزاب القراصنة حين يتحدَّث في الاحتكار الفكري حول حقوق الملكية، فهو يرفض ديمومتها التي تؤدِّي إلى احتكار كامل وتركيز للسلطة والثروة في أيدي قلَّة، حتَّى أنَّه يسخر ويذكر المعاناة في سبيل الحصول على بعض الصور المجانية.

يطرح الكتاب تجربة مجتمعات الأميش المستقلَّة اللا مركزية في انتخابات الزعيم وفي الانفصال عند زيادة عدد الأفراد، التي تعزِّز الاستقلالية مع بقاء التواصل والتعاون مع بقيَّة المجتمعات، إذ يدعونا للتَّحرُّر من التحيُّز الإعلامي والتحرُّر من التبعية والمركزية إلى تجربةٍ مشابهةٍ من حيث المبدأ مع مجتمعات الأميش، ولا يعني بذلك -طبعًا- العيش دون كهرباء أو سيارات، وإنّما تطوير أنموذج مقارب.

يختم لاريمر كتابه في نصائح عملية يراها تصبُّ في عين الاستقلالية على المنحى الشخصي، ربَّما يبالغ أحيانًا حين يدعو كلَّ شخصٍ إلى توليد كهربائه وبيعها إلى الشبكة حتَّى يتحرَّر من تبعيته لها ويصبح مساهمًا فيها، أو أن تزرع حديقتك وتؤمِّن خضراواتك بنفسك. لكنَّه يسعى في كلامه لتحقيق الاستقلالية الفردية، فتارةً يغرينا بالصيام المتقطِّع وتارةً أخرى بالانتقال إلى الأصول الرقمية التي يعدّ البيتكوين أهمّها. كما يحذِّر من التعاملات المالية -خاصَّةً مع الأصدقاء- فلا تقرض ولا تقترض، في دعواتٍ ونصائحَ فرديةٍ تدفعنا إلى التغيير بدءًا من أنفسنا.

لا يخفى على أحدٍ صعوبة نقل النصِّ وروحه إلى اللغة العربيَّة بأمانةٍ، فحاولت نقل هذا النص بتفانٍ وإخلاص، ولكنْ، وعلى الرغم من ذلك، تبقى العودة إلى النصِّ الأصليِّ أمرًا إيجابيًّا لمن يريد التأكُّد من صحَّة المعنى وروح الفكرة، فحاولت ألا ألتزم حرفيًّا الترجمة حتى لا تصبح مملَّةً دون روحٍ، وعملت جاهدًا لإيصال روح المعنى بما لا يخلُّ بقصد الكاتب.

ولأنَّ الكاتب يكتب انطلاقًا من مجتمعه وواقعه؛ استشهد منه بأمثلة كثيرة تطلَّبت منِّي إضافة هوامش لتوضيحها للقارئ، محاولًا في ذلك جعل النص عربيًّا بالكامل. ولصعوبة ترجمة المصطلحات وأسماء العَلَم ترجمةً دقيقة ومتداولة؛ أضفتها جميعها باللغة الإنكليزية إلى الهوامش.

لا يمكن فصل الكتاب عن الموضوع التقني، خاصة أنَّ الكاتب مبرمجٌ مشهورٌ في عالم البلوكتشين ومناصرٌ للعملة المشفَّرة بيتكوين. ولكي يكون القارئ ملمًّا أكثر بذلك؛ أضفت ملحقين: الأول عن البلوكتشين وآلية عملها، والثاني عن بيتكوين وآلية عمله، وأنصحكم بالاطلاع عليهما قبل قراءة الكتاب لمعرفة أبعاد الاستشهاد بهما خلال قراءة النص. كما أضفت ملحقًا عن مثالٍ عمليٍّ ينفّذه الكاتب حاليًا مع إحدى المجتمعات.

يمكن الحصول على الكتاب مجاناً، فقد تم نشر الترجمة بنفس الرخصة وهي المشاع الإبداعي، وإلى داعمي هذا العمل، شكرًا لكم دعمَكم ومساهمتكم في دعم حملة التمويل الجماعي لدعم الكتاب ماديًّا، فثقتكم بي هي دافعي الكبير والسبب الرئيس لإتاحته مجّانًا بهذه الجودة.

فادي عمروش المدير التقني - مؤسسة نيوفيرستي التعليمية

مهندس معلوماتية، دكتوراه في الإقتصاد السلوكي، باحث وريادي أعمال واستشاري مستقل مع عدد كبير من الشركات والمنظمات.