ربما إن كنتُ أكثر تهذيبًا!

ربما إن كنتُ أكثر تهذيبًا!

رأيت اليوم فتاة صغيرة في يد والدتها على رصيف المترو تخبرها أن “يلا يا ماما، أجري عشان نلحقه، مفتوح أهو” وتناديها والدتها بأن تُهديء من سرعة خطواتها الصغيرة. لم أرَ فيهم أمًا وابنة، رأيتُ صديقتين.

لطالما طاردني هذا السؤال، من هو الصديق؟ لا يوجد إجابة سحرية في النهاية فلا تنتظروها، ربما بعض الافتراضات. لا أظن إنه هناك ما يمنع أن تنشأ الصداقة بين أم وابنتها، أو أب وولده، بالرغم من صغر سن الابنة، أو الولد. لا أظن أنه لنشأتها يجب أن يوجد سابق معرفة قوي بين الأصدقاء، وليس ضروريًا أيضًا أن تكون سِماتهم الشخصية متماثلة.

ربما إن كنتُ أكثر تهذيبًا!

إذن فإن الصداقة من أسهل العلاقات لتنشأ، يكفي أن يتقابل اثنان لهم أفكار متشابهة، لا ليس هذا أيضًا، لا يهم تقارب الأفكار، يكفي أن يتقابل اثنان يتشاركان رغبة السماح لآخرين بالدخول لحياتهم. لمَ إذن لا تنجح صداقاتي؟

ربما إن كنتُ أكثر تهذيبًا، إن كنتُ أفكر لعدة دقائق قبل أن أتحدث. إن ضحكت أكثر، ولعبت أكثر، ومثّلت أكثر. إن أصبحت أقل كئابةً، وأقل صراحةً، وأقل صدقًا. إن توقفت عن التفكير الزائد والحسابات التفصيلية، إن تمكنت من النظر في عيونهم، وإن تمكنت من مشاركتهم الحديث. إن دربت وجهي ألا يعكس مشاعري، ودربت قلبي ألا يحزن كثيرًا، ودربت نفسي ألا تتعلق. ربما وقتها كانت ستنجح صداقاتي.

أو ربما لأن نشأتها واستمراريتها مختلفان كُليةً. استمرارية الصداقة، بل واستمرارية أي علاقة تتطلب تضحيات متبادلة من الطرفين. تتطلب افتراض حُسن النية وتخصيص الوقت والجهد لشخص لا تربطك به صلة دم، تتطلب الكثير من الثقة، فأنت تثق بصديقك مؤتمنًا إياه على أعمق أسرارك وأكثرها ظلامًا، تثق بتقبله حقيقتك بلا تمثيل، وتثق بتحمله خلاجاتك وأخطائك. ليس سهلًا علينا نحن البشر أن نُعري أنفسنا أمام أحدهم، أو أن نتقبل حقيقة أحدهم العارية.

في الواقع، هناك الكثير من التساؤلات التي تدور بذهني حول الصداقة. فمثلًا، هل هناك علاقة عكسية بين الصداقات أو الحياة الإجتماعية بوجهٍ عام، وبين الحياة العملية والنجاح بها؟ هل ترتبط الصداقة بكم الحَكايا المُتبادلة؟ هل يستلزم لنُطلق على علاقتنا “صداقة” أن يكون كلا الطرفان مُتاح للآخر طوال الوقت؟ إن لم أستطع أن أكون معه وقت ضيقه، هل ستهتز صداقتنا، وإن لم نتقابل باستمرار، هل ستعد صداقتنا ضعيفة سهلة الكسر، إن لم نكن نعلم بصغائر حيواتنا قبل كبائرها، هل ستصبح صداقتنا أكثر سطحية؟ ما الضوابط؟ ما هي القواعد لعلاقة صداقة مثالية؟

لقد قابلتُ صديقًا جديدًا منذ مُدة، بدأنا بتبادل السلامات وابتسامات التحية، ثم انتقلنا لإجابة بعض الأسئلة العرضية عن حيواتنا، تناولنا الطعام معًا ويمكننا القول أن علاقتنا قد نمت قليلًا، ثم بدأت الحواجز في الظهور. أعلاهم وأكثرهم صلابةً كان حاجز الثقة، أحتاج أن أثق بأنه لن يذهب، أن أثق بأن أسراري آمنةً معه، أنه لن يُلقي بالأحكام في كل موقف تتثنى له الفرصة ليفعل، أنه مستمع جيد، ناصح غير ذي أذىً. أحتاجه أن يتقبلني. فهل أثق به كفايةً لأُظهر له حقيقتي العارية؟!

لقد مر قُرابة الشهر الآن وأنا أشعر بهذا الثقل في قلبي، يخبرونني أن الحياة “أبسط من كدة” أنني “بكبر الموضوع أوي” وإنه “الوحدة مزاج”، لكنني لا أود أن أكون وحيدة، ملأتني حتى ظننت أنها لم تُبقي مكانًا لغيرها فـ أكتفيتُ.

أكتر مخاوفي الآن أن أضطر لخوض الحياة وحيدة، تعبت من قوتي، من حكمتي وإعتمادي على ذاتي. أحتاج صداقته، أحتاج دائرتي المُقربة، محل ثقتي في هذه الدنيا، أحتاج أصدقائي. لكن، من هو الصديق؟

هدير طارق البدوي صانعة محتوى

هل نحن هنا حقًا.. أم أن الحياة مجرد حلم، حلم طويل، وجميل أحيانًا؟