فقد وجدتُ صديقي -الذي توفى قبل بِضعة أعوام- في الكتابة!

  • 3
  • 2٬168
فقد وجدتُ صديقي -الذي توفى قبل بِضعة أعوام- في الكتابة!

خرجتُ لتوي من مُحاضرة للتنمية البشرية في مسرح البلدية… وكان عنوانها “الرّاحة، وأساسياتُ الحَياة”.
حقًا، لا أعلمُ ما الذي دفعني لحضورها، ولكنّ لا بأس؛ فها قد إستفادت نفسي منها، وها قد أزهرت وجنتاي من فرط ما أشعر به!

فقد وجدتُ صديقي -الذي توفى قبل بِضعة أعوام- في الكتابة!

كان المُحاضرُ شابًا في مِثل عُمري، يُذكرني بنفسي سابقًا عِندما كُنتُ مِثله؛ فقد كان ناثرًا للتفاؤل والحياة بكُل حيوية وحب.. إبتسامته تملأ وجه، وعيناه تشعُ أملًا وتبعث الطمأنينة في النفوس، فقد كان الكُل مُستمتع بحديثه!
تكلّمَ المُحاضر عن قواعد الحياة، وتكلّم أيضًا عن ضرورة الترويح عن النفس؛ وإتخاذ ملجَأ نُذهِبُ به الوهن والضيق؛ ليشُدّ أزرّنا…
لكن آهٍ يا كبدي، من أين لي بملجأ استريحُ عِنده!

وأين هو صديقي؟


فقد دفعني حديثه لنبْش جراحي، ومُناداة صديقي الذي وافته المَنية قبل بِضعة أعوام… يومَها لم أجد ما يواسيني؛ فكلمات العزاء كلها لن تجدي نفعًا لتخفف عنّي.. فما المدفون إلّا كُلي، وما المقبور إلا راحتي وسعادتي، وما الموءود إلّا أحلامنا وأمانينا التي رسمناها معًا…
أوّاه يا صديقي، رحيلك للسماء أمات الأرض وأماتني… فمن أين لي براحة من بَعدِك، ومن أين ليّ بخليلٍ غيرك؛ اشكو له بثّي وحُزني؟!

آه.. أفقت من لوعتي، ثم جلستُ في مؤخرة الحافلة وانعزلتُ عن الناس لكي أراني!
ثم رُحت أتساءل، كيف أفرغ ما بداخلي لأستريح؟
أخذتني الذكريات بعيدًا لجدتي، عندما كنا نرى أثار الهم تطفو فوق عينيها وتزداد يومًا بعد يوم… فقد كانت تفرغ جُل ما بها عن طريق الحياكة و التأمُل، فتراها لا تُبالي بصعوبات الحياة وإن طالت!
أمّا عن أختي فقد كانت تستريح بالرسم، وأخي بالقراءة واللعب، وأمّا عمتي فقد كانت تهرب من أحزانها بالثرثرة.. فصدقًا، لكل أحدٍ مِنّا، ما يميزه عَنّا للترويج عن نفسه…


لكّن، ماذا عنّي؟


ماذا عن طبيب يُكابد في جوف أنين الغربة، ساهِرًا وسط مرضاه، جاهِدًا لسماع صوت ضحكاتهم التعِبة، وساعيًا لإنقاذ حياة غيره…
أوّليسَ له مِن حضن دافئ يضمه، أو صديق صادق يشكو له همه؟!

فالحياة هنا تضيق حتى يتراءى إليّ أنها لا تسعني، لقد سئمت من كتمان الشعور المتراكم بداخلي…
ضجرُ الحياة يُضيق الخِناق، فما بالك بامرئ مثلي؟!
آه، أنا حقًا أفتقدك يا صديقي، بجوفي الآن ذات المأتم عند وفاتك، وبداخلي نكسّ سواد الحِداد ذاته.

طردتُ أحزاني، ثمّ تجولتُ بعينيّ بين ركاب الحافلة، أثار انتباهي صاحب المقعد الثالث، فقد كان طِفلًا يحملُ قلمًا ليخربش به على لوح الحافلة…
فعادت بي ذكرياتي إلى الوراء؛ عندما كُنا صِغارًا نتنافس لنيل جائزة أفضل خربشة على الجدار!

فقد كانت الكتابة على الجُدران من الحقوق الأصيلة لكل فرد مِنّا، فهو حق مقدّس، لا يخضع للشورى ولا الإستفتاء.. مصدره الأساسي رغبات الطفل المكبوتة بداخلي؛ فلطالما منعني والدي من الكتابة على الجدران؛ تجنبًا من سخرية الضيوف…
ولكن، لماذا توقفت عن الكتابة، وتركتها منذ الصغر؟
أتاني الجواب من صياح عقلي الباطن، ليُخبرني بأن الطبيب لا يملك وقتًا ليطاوع مشاعره؛ فيصرفُ جُلّ وقته طائفًا بالمشفى، منغمسًا بين المراجع والكتب…
لم أُعر جوابه إهتمامًا؛ فواصلتُ سيري في طريق الذكريات، وتوقفتُ عند مُعلِّمي الذي كتبَ كِتابًا ليُخلّد ذكرى زوجته بعد رحيلها؛ فقد كتبها بحُبٍ على ورق ليؤكد للزمان بأنها خالدةُ فيه، فجعل الكتابة قيًدا لها لكل زمان ومكان…
فقُلتُ لنفسي: “لماذا لا أكتبُ مثله، وأُحي صديقي بين الناس!”

هل جدتُ صديقي؟!

فقد وجدتُ صديقي -الذي توفى قبل بِضعة أعوام- في الكتابة!

ومنذ ذلك الوقت حاولتُ جاهدًا بأن أكون كاتبًا، وبأن أتخذها ملجئي وراحتي من بعد صديقي…
ولكن لم يك الأمر سهلًا، فمصراعا قفل هذا الباب أبّا أن يسمحا لي بالدخول لهذا الملجأ الحاني… لم أدري بما السبب من وراء صدي!
فبدا ليّ، بأنّي لم أراعِ لقدسية هذا المكان ونسيت بأن أعري مشاعري، وأجردّ قلمي عمّا بداخله؛ فهذا القلم وسيلة لفضح ما يحويه القلب من كلمات.. فيتجرّد من كونه قلمًا فقط، ليكون قلبًا كاتبًا، يجرُ حرفًا تلو الآخر ليخط ما يقوله القلب والعقل والروح…


فبدأتُ بكسر كل حائل بيني وبين الكتابة.. فوجدتُها تُذهب أوجاعي، وتسعى دائمًا إلى تفكيك الواقع الكئيب في عناصره النفسية الغريبة؛ فقد دهتني بالصفاء ممارستها!
فأصبحتُ أريدُ أن أكتُب لأُحي حُروف البشرية، ولأنّي أحتاجُ لأكتُب، ولأنه عليّ ذلك…
واليوم، أكادُ أُجزِم بأن الكِتابة هي التعريف الوحيد للصُحبة، قبل وجود مصطّلح الصديق.. وبِتُّ أُومِنُ تمامًا بأن لها عالمًا خاصًا يملُؤه الأمل، آخره نُور كأوله، وفي عُمقه أجدُ مُتنفسي!
فاسمحي ليّ (الكتابة) بأن أتخذَكِ وأُعلِنكِ -بين كل الناس- راحتي ومُستقري الدائِم الوَحِيد.. وبأن أجعلَ مِن لدُنك مَسكنًا يضُمني، وفضاءً حامي يقيِني مِن كُل كَيدٍ أليم…
فها أنا أقِف طارِقًا أبوابِك -بعد أن تجردتُ من كل قُبحٍ وتجمّلتُ بأعمقِ المشاعِر- لأسقي تُراب القلوب ماءً عذبًا، تنمو به زهور الحياة من جديد.. والآن، قد فُتِحَت الأبواب، وها أنا ذا قد خلعتُ نعلَ الكلِم في وادي القلم؛ لأمضي في طريق مقدَّس، يليقُ أن يكونَ حياة.

فاطِمة السر طالبة

أبحثُ عن نَصٍ يأوينِي، عن حُروف تجعلُني أتنفسُ من جَديد!