سمانا السامرائي محرر وكاتب محتوى ومدرب كتابة إبداعية

في عيد ميلاد ألفيس برسلي، ينتابنا الحنين

في عيد ميلاد ألفيس برسلي، ينتابنا الحنين

بالأمس كان عيد مولد ملك الروك آند رول، الأعجوبة التي ما زالت تزداد حياة رغم مرور ما يزيد عن أربعين سنة على انطفائها، فلماذا؟
لماذا يختار شباب لم يعاصروا تلك الحقبة أن يجدوا سلواهم في أغانيه؟
لماذا لم يجد الجيل الأقدم بديلاً بين ملايين الأغاني الحديثة القادمة من كل حدب وصوب، وبكل الألوان والأشكال الموسيقية؟
لماذا ينتابنا الحنين لفترة لم نعشها؟ ولماذا يتمنى البعض لو أنهم ولدوا بعقود أبكر؟
ما يفتقر إليه عصرنا مقارنة بمنتصف القرن الماضي؟

  • سمة تلك الحقبة
    إنها حقبة التغيرات، علت أصوات الشباب والنساء للمطالبة بحقوقهم، الانفتاح على الأفكار والثقافات المختلفة، إدراك الحكومات والشركات إدراكاً راسخاً بالدور الفاعل للإعلام والفنون على جمهور وآثار ذلك في زيادة الأرباح وامتصاص نقمة الرأي العام ضد الحروب المستمرة التي خاضتها الولايات المتحدة الأمريكية والتبعات الاقتصادية والاجتماعية والنفسية لذلك، فتولد نتيجة لذلك الفن الذي يخاطب الشباب الحالم بغد أفضل والساخط على الأوضاع واليائس من واقعه بلغة الشباب أنفسهم، عبّر عنهم، وألهاهم عن آلامهم، وصنع لهم فراديس شعورية مؤقتة.

  • الإرادة العليا
    الوجود للإرادة العليا المتمثلة بالرب وأقداره، أو الحكومة في بعض الثقافات التي امتلكت ثقة لا تهتز في حكوماتها وانعكاس ذلك في هذه الكلمات مطمئن للأجيال الحالية القلقة التي تحمل نفسها مسؤولية كل شيء غير معترفة بالأقدار، وغير واثقة بقياداتها، تحمل مسؤولية كبيرة مثل هذه، وما العودة إلى فنون الماضي إلا إشارة لرغبتنا الدفينة في التحرر من تلك المسؤوليات.

  • تعدد الخيارات
    نحن نعلم يقيناً وعبر دراسات نفسية وأبحاث في مجالات التسويق والأعمال إن الإنسان يواجه صعوبة في الاختيار عندما تكون الخيارات المتاحة متعددة، بل يميل لترك الأمر برمته أحياناً، وفي عالمنا الحالي حيث هناك تنوع كبير في الفنون وعدد غير محدود من الفنانين عبر المنصات المختلفة يقف الإنسان حائراً عاجزاً، وكرد فعل منه قد يهجر الفنون أو يعود لفنون الأزمان الماضية، حيث can’t help falling in love مثلاً خيار متفرد لا يمكن أن يدخل في مقارنات.

  • اضمحلال الفوارق
    في السابق كان للنجوم هالة ذهبية براقة تحيط بهم، مكانة عالية تخصهم وحدهم، كانت الشهرة مرادفة للمجد والكمال والخلود، وهذا ما جعل الناس يحلمون.

كان في الحياة مراتب بعيدة عن المنال استلبت ألبابهم، ومنحتهم الأمل، أما اليوم فالشهرة هي محض شهرة، والجميع على مقربة، يعيشون الحياة اليومية البليدة والوضيعة نفسها، يصبحون مشاهير بسرعة وليس لسبب محدد، أحياناً تساندهم خوارزميات التطبيقات عشوائياً، ليس بالضرورة أن تتوفر موهبة ما، ويمكن للمشهور قول ما في ذهنه مباشرة ودون تفكير في وسائل التواصل الاجتماعي مما يكشف عن بلاهته أو عاديته في أحسن الظروف، لهذا لم تعد أجيالنا تحلم، إنها تعيش فحسب، تعيش مؤمنة ألا معجزات تحدث ولا عالم جميل هناك.

  • سهولة الوصول
    سابقاً كان الحصول على الشريط الأصلي للاستماع إلى الأغنية، أو حضور حفلة يعتبر شيئاً من تحقق الأحلام التي يمكن أن يموت المرء بعدها برضا وسلام، أما الآن فيمكنك الوصول إلى أي أغنية فور صدورها، ويطلعك الفنان نفسه على كواليس صناعتها ومراحل إنتاجها، ويمكنك حضور حفلات من مكانك عبر تقنية البث المباشر، لا شيء صعب، ولا شيء مميز وفريد أيضاً.

  • القيم جميلة جميلة
    نجد إن قيم كالهمجية والفظاظة والسوء والشر والتفاهة والنرجسية المريضة هي الأكثر رواجاً وتلميعاً في فنوننا الحالية، بينما نجد قيم الحب الصادق، الخير، الطيبة، الشجاعة، وغيرها من القيم الأسمى هي الأكثر انتشارا في الفنون الأقدم، وهذا يجعل هذه الفنون مدعاة لجذب النفوس سليمة الفطرة بعيداً عن الشعور الزائف للقوة الذي تمنحه إيانا قيمنا المتوحشة الجديدة.

  • الفن الذي تحول إلى صناعة
    إن التقنية الحديثة مكنتنا من كتابة وتلحين وتسجيل وإطلاق أغنية كاملة في يوم واحد من قعر غرفنا، وأحياناً حتى تصوير مقطعاً مرئياً لها مع بعض العمل الجاد، الفن هو صناعة على الدوام، ولكن مع الوقت تضمحل الخصائص الفنية الأصلية في العمل الفني، حتى أضحى اليوم منتجاً استهلاكياً جلفاً.

قد تلاحظ أن نقاط بعينها تختلف مع فن أو حياة ألفيس برسلي، لأننا في هذه التدوينة تحدثنا عن جاذبية الفنون في زمن ماضٍ بشكل عام، على الرغم من أن انطلاقنا كان من ذكرى مولده.

والآن أخبرني، هل ينتابك الحنين لزمن لم تعشه؟

١٢:٠٧م
٩/١/٢٠٢٢
سمانا السامرائي

اقرأ أيضاً في تقدير فن حمود الخضر

سمانا السامرائي محرر وكاتب محتوى ومدرب كتابة إبداعية