فادي عمروش المدير التقني - مؤسسة نيوفيرستي التعليمية

الصيام المتقطّع كَنمط حياة صحّي

  • 0
  • 2٬040
الصيام المتقطّع كَنمط حياة صحّي

تعدُّ الأنظمة الغذائية الصحيّة محلّ اهتمام العديد من الأطباء والباحثين وخبراء التغذية على حدّ سواء، وهي كذلك بالنسبة لكثير من الأشخاص الذين يحاولون المحافظة على نمط طعام صحّي بالإضافة لوزن مثالي للحماية من السّمنة والوزن الزائد.

ولعلّ السّبب الأهم في تزايد هذا الاهتمام في العصر الحديث هي تلك التغيّرات التي نعيشها في عالمنا اليوم مقارنة بما عاشه أسلافنا من توفّر الطعام بكميّات كبيرة بالإضافة لظهور الآلة التي وفّرت على الانسان الكثير من الجهد وبالتالي ساهمت في ارتفاع معدّلات السّمنة وزيادة الوزن وما ينتج عنه من أمراض كثيرة.

تتنوّع الأنظمة الغذائية التي يتّبعها الناس كالحميات بأسمائها وأنماطها المختلفة واتباع نظام التغذية النباتي والصّيام وغيرها، أحد هذه الأنظمة الهامّة هو نظام “الصيام المتقطّع” الذي ناقشته الكاتبة “جين ستيفنز” باستطراد في كتابها “Fast. Feast­. Repeat” والذي أحبّ ترجمته بـ صيام، وليمة وهلمّ جرّاً.

جين مدرّسة متقاعدة وزوجة وأم وممارسة شهيرة لأسلوب الصيام المتقطّع، تخرّجت عام 2019 من برنامج تدريب المدرّبين الصحيين التابع لمعهد التغذية التكاملية. تسرد جين كتابها بشكل غير أكاديمي بحت، وتعتمد فيه على الحكايات الصغيرة والتجارب الشخصية، كما تعالج فيه العديد من المواضيع المتعلقة بالحميات الغذائية والوزن من خلال الرجوع للعديد من الدراسات العلمية بالإضافة لاستخدام المخططات والرسوم البيانية لتنظيم المعلومات وتأكيدها.

في البداية يمكن تعريف الصيام المتقطّع على أنّه نظام غذائي يقوم على التبديل أو التناوب بين الصيام وتناول الطعام وفق جدول منتظم، وبينما تركّز غالبية الأنظمة الغذائية على فكرة “ماذا نأكل” فإنّ هذا النوع من الأنظمة يركّز على فكرة “متى نأكل” أي أنه يهتم بوضع نظام زمني لأوقات تناول أو عدم تناول الطّعام كبديل عن الأنظمة الغذائية التقليدية.

الصيام المتقطّع والتخلّص من الوزن الزائد

تذكر الكاتبة طريقة عمل الصيام المتقطع، حيث تعتمد خلايا الجسم على مصادر رئيسية للطاقة وهي الجلوكوز والأحماض الدهنية، ففي الفترات التي تلي تناول وجبات الطعام تقوم الخلايا باستهلاك الجلوكوز كمصدر للطاقة من الطعام الذي تناولناه، بينما يحتفظ الجسم بالأحماض الدهنية من خلال تخزينها على شكل دهون ثلاثية في الأنسجة الدهنية.

طالما نأخذ حاجتنا من الطعام فإنّ الجسم لا يستهلك من تلك الدهون المخزّنة شيئاً، إلّا أنه وفي فترات الصيام الطويلة عن الطعام يلجأ الجسم إلى تعويض النقص في الجلوكوز كمصدر للطاقة من خلال تحويل الدهون الثلاثية إلى أحماض دهنية وغليسيرين وذلك لاستخدامها كطاقة للخلايا.

 يتابع الكبد في هذه الأثناء تحويل الأحماض الدهنية إلى أجسام كيتونية والتي توفّر بدورها مصدراً رئيسياً للطاقة من أجل تغذية العديد أنسجة الجسم وخاصةً أنسجة الدماغ، وهنا ينبغي لنا الحديث عن أهمية ودور هرمون الأنسولين في ضوء ما ذُكر؛ فعلى الرّغم من أنَ لهرمون الأنسولين دور هام في موازنة مستويات السكر في الدم، إلا أنه يعمل كمضاد لتحلّل الدهون، بمعنى أنّه يمنع الجسم من تفكيك مخزن الدهون المتمثّل بالدهون الثلاثية، وفي كل مرة نتناول فيها الطّعام ترتفع تلقائياً مستويات الأنسولين وبالتالي يتوقّف الجسم عن تفكيك الدهون الثلاثية، بينما خلال فترات الصّيام يخفّض الجسم مستويات الأنسولين وبالتالي يبدأ بالاعتماد على تفكيك الدّهون للاستفادة منها كمصدر للطاقة، ولذلك فإنّ الصّيام المتقطّع يؤدّي بالجسم إلى التحوّل من استخدام الجلوكوز كمصدر لطاقة الخلايا إلى استخدام الدهون الثلاثية والأجسام الكيتونية بسبب خفض مستوى الأنسولين.

فوائد الصيام المتقطع:

أثبتت إحدى الدراسات قدرة الصيام المتقطّع على التخلّص من الوزن بنسب تتراوح بين 2.5 وحتى 9.9 بالمئة، إلا أنّ للصيام المتقطّع مجموعة متنوعة من الفوائد التي تشير لها الكثير من الدراسات كالدّراسة السّابقة أو غيرها ومنها:

1. للصيام المتقطّع أثر جيّد في إطالة العمر وإبطاء معدّل الشيخوخة، فقد أظهرت دراسات عديدة أجريت على الفئران صحّة هذا الادّعاء، فعلى الرغم من أنّ الدراسات على البشر إلى الآن ليست كافية، إلّا أنّ النتائج الأولية تعطي مؤشّرات إيجابية، ففي عام 2019 أظهر العلماء في أوكيناوا نتائج دراسة أجريت على البشر أظهرت أن الصيام يزيد من مستويات البوتيرات والكارنيتين ومضادات الأكسدة ونشاط الميتوكندريا، والتي تعزّز صحّة الخلايا في الجسم التي تتدهور صحّتها مع تقدّمنا في العمر، مما قد يساعدنا في عيش حياة أطول.

2. يؤدي الصيام المتقطع إلى تأثير ملموس في تحسين صحّة الدماغ ومستوى الذاكرة، ويتضح ذلك عند كبار السن على وجه التحديد، وذلك لوجود قرائن مختلفة تثبت قدرة هذا النوع من الأنظمة الغذائية على تأخير تطوّر أمراض الذاكرة مثل الزهايمر من خلال الحفاظ على صحّة خلايا الدماغ.

3. للصّيام المتقطع تأثير واضح فيما يتعلّق بصحّة القلب والأوعية الدموية، مما ينعكس على تجنّب الأمراض المتعلّقة بهما مثل ارتفاع ضغط الدم ومرض السكري، ويعود ذلك لسبب رئيسي وهو أنّ هذا النوع من الصيام يعتمد على التحكّم في مجموعة من المواد الكيميائية والهرمونات في الجسم مثل الكوليسترول والدهون الثلاثية والجلوكوز والأنسولين، بما يؤثّر إيجاباً في صحّة القلب من خلال التحكّم في معدّل ضربات القلب وضغط الدّم.

4. أظهرت دراسات متعدّدة أجريت على الحيوانات أنّ الصيام المتقطّع يؤثّر في منع نموّ الأورام السرطانية من خلال تقليل استقلاب الطاقة في خلاياها.

5. قد يساعد الصيام المتقطّع بالحفاظ على بعض الوظائف البدنية بمستوى عالي من الأداء الفعّال كالحفاظ على كتلة العضلات، بالإضافة للتخفيف من حالات التهابية متعدّدة منها التهاب المفاصل.

آلية الصيام المتقطّع

تشير الكاتبة “جين ستيفنز” إلى طرق متعدّدة للقيام بالصّيام المتقطّع، وبالتأكيد فإنّ جميع تلك الطرق تعتمد على الوقت الذي نتناول فيه الطّعام كعامل أساسي في طريقة الصيام، وتناقش الكاتبة طريقتين بشكل أساسي، وهما طريقة “نافذة الأكل” وطريقة “تقييد السعرات الحرارية”:

طريقة نافذة الأكل

يشير هذا الأسلوب إلى تخصيص وقت محدّد يومياً نستطيع تناول الطعام خلاله مثل تناول الطعام خلال 12 ساعة والصيام ل12 ساعة أخرى، أو تقليل مدة نافذة الطعام إلى 8 ساعات يومياً والصيام لمدة 16 ساعة، أو حتى 19 : 5 أي الصيام لمدة 19 ساعة وتخصيص نافذة تناول الطعام لخمس ساعات فقط، ويمكن الوصول لهذا الأسلوب تدريجياً كما يلي:

  •  الشهر الأول: تخصيص 12 ساعة لفترة الطعام يومياً لمدة 5 أيام في الأسبوع.
  • الشهر الثاني: تخصيص 10 ساعات لفترة الطعام يومياً لمدة 5 أيام في الأسبوع.
  • الشهر الثالث: تخصيص 8 ساعات لفترة الطعام يومياً لمدة 5 أيام في الاسبوع.
  • الشهر الرابع: تخصيص 8 ساعات لفترة الطعام يومياً لمدة 7 أيام في الأسبوع.

وبذلك نستطيع تطبيق أسلوب 16 : 8 في الصوم المتقطّع.

طريقة تقييد السّعرات الحرارية

تعتمد هذه الطريقة على تقليل تناول السعرات الحرارية خلال أيام محددة من الأسبوع في مقابل تناول الطعام بشكل طبيعي في الأيام الباقية، اعتمدت الكاتبة على أسلوب يدعى: “Up and Down Days” أي الأيام الصاعدة والهابطة، بمعنى أنّه في الأيام الصاعدة نستطيع تناول الطعام بشكل طبيعي كما في أي وقت، بينما في الأيام الهابطة فإننا نحافظ على تناول طعام يحتوي على سعرات حرارية بكمية لا تزيد عن 500 سعرة حرارية في اليوم الواحد، أو حتى من الممكن عدم تناول الطعام في الأيام الصّاعدة على الإطلاق.

 تجدر الإشارة إلى أنّه من المستحسن تخصيص يومين في الأسبوع لأيام الصيام مقابل خمسة أيام صاعدة مع الالتزام بعدد السعرات الحرارية المذكور.

من المهم للغاية أن تكون على دراية بأساليب الصيام ومعرفة الأسلوب الأكثر ملاءمة لطبيعة حياتك قبل أن تبدأ بممارسة الصيام وذلك لتتمكّن من الالتزام به بشكل صارم ولا ينتهي بك الأمر لخرق هذا النظام، وبرغم أن الطريقتين سابقتي الذكر هما الطريقتان الأكثر شيوعاً، إلا أنّ هناك طرق أخرى يمكن اتّباعها بما فيها:

  1. صيام 24 ساعة في الأسبوع: وتعني عدم تناول الطعام على الإطلاق لمدة 24 ساعة أسبوعياً.
  2. أسلوب تخطي الوجبات: قد يكون هذا الأسلوب مفيداً للمبتدئين، ويشير إلى تخطّي تناول بعض الوجبات التي يتناولها الشخص عادة، ويمكن اعتماده عندما يأتي موعد الوجبة ولا نشعر بالجوع الشديد.
  3. أسلوب حمية المحارب: يعتمد هذا الأسلوب على تناول كمية ضئيلة جداً من الطعام خلال 20 ساعة من الصّيام وتتضمن هذه الكمية بعض الفاكهة والخضراوات فقط، بينما يمكن تناول وجبة واحدة خلال 4 ساعات من اليوم فقط وتكون في فترة الليل، يعتبر هذا الأسلوب من الأساسيب المتطرّفة في الصيام المتقطّع ومن الممكن أن تكون له آثار ضارّة على الجسم.

ما الذي يمكننا تناوله أو شربه خلال فترات الصيام؟

إنّ هدف الصيام المتقطّع بشكل أساسي هو المحافظة على مستويات الأنسولين بالحد الأدنى ولذلك يُحظر تناول أي نوع من الأطعمة والمشروبات التي تؤدّي إلى إفراز الأنسولين، ولذلك يجب تجنّب جميع المشروبات التي لها نكهات محلّاة أو شبيهة ببعض الأطعمة، لأنّ الجسم لديه استجابة لأذواق معينة في إفراز الأنسولين، حتى لو كانت خالية من السعرات الحرارية، فقد أثبتت أبحاث أنّ مجرّد تذوّق سائل محلّى يمكن أن يرفع مستويات الأنسولين بشكل كبير، لذلك يجب تجنّب جميع المشروبات الغازية والمياه المنكّهة والشاي بنكهة الفاكهة وكل ما له طعم سكري، في حين يمكن تناول الماء العادي والقهوة الداكنة (أي غير المحلّاة، والخالية من الإضافات) والشاي العادي كذلك.

أي حتى نحافظ على الغرض من الصّيام بعدم تحفيز الأنسولين يجب الالتزام بالنصائح السّابقة، وإلا فلا جدوى من الصّيام.

ينبغي أن يلتزم الصائم أيضاً خلال فترات الأكل الالتزام بتناول طعام صحّي كالخضار والفواكه والأطعمة الغنية بالألياف والإبتعاد عن الأغذية المصنّعة.

الآثار الجانبية للصيام المتقطّع

في الواقع لن يكون من السّهل البدء بالصيام المتقطّع دون متاعب فعند بدء الصّيام سيحاول الجسم التكيّف مع هذا الأسلوب الجديد في تناول الطعام، مما يسبّب شعوراً بالجوع الكبير الذي يؤدّي للضجر والإحباط في غالب الأحيان، أو التهيّج وصعوبة التركيز وانخفاض مستوى الطاقة خلال فترات الصيام، وعلى الرغم من ذلك فإنّ هذه التأثيرات تعتبر قصيرة المدى زمنيّاً ويمكن حلّها في غضون أسابيع قليلة اذا ما التزمنا بخطّة فعالة للصيام مثل التدرّج الذي تمّ ذكره في طريقة نافذة الأكل أو تحدّي 28  يوماً والتي تعتبر نقطة إنطلاق بتجربة الصيام المتقطّع.

يهدف تحدّي 28 يوماً إلى جعل الجسم يتأقلم مع الصيام وتأثيراته، فحتى لو لم نفقد الوزن خلال 28 يوم هذه، إلا أنها مهمّة للغاية في الاستمرار بهذا النظام الغذائي، تتمثل الخطوة الأولى في هذا التحدّي بالالتزام التّام بما يمكننا تناوله خلال فترة الصيام وما لا يمكننا تناوله، حيث تعدُّ هذه الخطوةُ الأهمَّ لتدريب الجسم على الوصول لمخازن الدّهون والاعتماد عليها كمصدر بديل للطاقة.

تأتي بعد ذلك الخطوة الثانية في التكيّف على النظام الجديد، بمعنى الاستعداد للتغيّرات التي ستنعكس على الجسم خلال فترة الصيام والتي سيكون من أهمها الشعور بالجوع الشديد، ولكن سيتأقلم الجسم تدريجياً مع هذا الأمر وستزول آثاره خلال أسابيع قليلة كما ذُكر، أما الخطة الأخيرة فتكون بالثبات والاستمرار على نظام الصوم المتقطّع، واختيار نافذة الصوم الأكثر ملاءمة لطبيعة حياتنا.

نصائح للمحافظة على الالتزام بأسلوب الصوم المتقطّع

قد يصعب الالتزام بأسلوب الصوم المتقطّع خاصّة خلال الفترات الأولى منه، لذلك فإنّ هناك بعض النصائح التي يمكن تطبيقها ضمن تحدّي ال28 يوم أو أي طريقة أخرى لمساعدتنا في الالتزام بالصيام وتخفيف آثاره الجانبية:

  1. إبقاء الجسم رطباً من خلال شرب الكثير من الماء والمشروبات المسموح بها خلال فترة الصيام.
  2. قد يسبب الشعور بالجوع الهوس بالطعام والتفكير المستمر به لذلك من المهم محاولة إيجاد أساليب مختلفة للإلهاء مثل التنزّه أو مشاهدة فيلم أو غيرها من الأساليب التي تشتّت التفكير في تناول الطعام.
  3. تجنّب الأنشطة الشاقة خلال فترات الصيام الأولى، لأنّ هذه الفترات تتميّز بقلة مستويات الطاقة لكون الجسم غير متأقلم بعد مع هذا النظام الغذائي، لذلك فإن الاسترخاء يخفّف من الشعور بالإجهاد والتعب.

ختاماً

تشير الكاتبة إلى أنّ الصّيام المتقطّع يعطي نتائج أفضل من خلال تغيير أسلوب الصيام بشكل متكرّر، بمعنى ألا يصبح الأسلوب المعتمد روتين ثابت بحيث يعتاد الجسم عليه بدرجة كبيرة، وإنّما يجب تبديل طريقة الصيام باستمرار بين مجموعة الطرق المعروفة، والغرض من ذلك إخراج الجسم من حالة التوازن التي يكوّنها مع النظام الجديد، ومن جانب آخر، تؤكد الكاتبة أن نظام الصوم المتقطّع أسلوب حياة وليس عبارة عن حمية مؤقّتة، لذلك فمن المهم الاستمرار به بشكل دائم لضمان تحقيق الفوائد المرجوّة منه.

فادي عمروش المدير التقني - مؤسسة نيوفيرستي التعليمية

مهندس معلوماتية، دكتوراه في الإقتصاد السلوكي، باحث وريادي أعمال واستشاري مستقل مع عدد كبير من الشركات والمنظمات.