الفقدُ ليس رعونةً هرمونية!

الفقدُ ليس رعونةً هرمونية!

للواقفين فوق أبراج عاجية، للناظرين إلينا من على شرفة البلكون، للذين يقولون بأنّ الفقد رعونة، والبكاء أمام أسوار الموت هزيمة، لأصحاب الفكر العدميّ، أو الوجوديّ، أو الرواقيّ أو أيّا كان الفكر الذي يحملونه والذي يخوّل لهم فلسفةً تمنعنا من ممارسة حقنا الطبيعيّ في الحزن: تبًّا لكم ولكلّ فلسفتكم! للذين أفسدوا علينا الحياة بتعقيدها، “لمثقفي” آخر الزمان الذين أشكّ في أنّ بإمكانهم أن يشعروا يومًا بغيرهم، لا لشيء سوى لأنّهم بنوا من تلقاء أنفسهم جدارَ الفصل العنصريّ الذي يبعدهم عن العامة البسطاء، ظنًّا منهم بأنّ غيرهم في الثّرى، وبأنّهم في الثريا، ولأنّهم لم يجربوا شعور الألم، وآهات الفقد..

للمستسهلين مآسي غيرهم، للمستكثرين على البؤساء أن يعبروا عن حزنهم، للمتشدقين بكلماتِ “وما ينفع البكاء ولا العويل”، للمزيّفين الذين يستنكفون أن يتصرفوا على طبيعتهم، للذين لم تصفعهم الحياة بعد – ولا أتمنى لهم ذلك ما داموا بعيدين عن تجريح غيرهم-، للناظرين إلينا ونحن نلملم شتاتنا ونستمرّ في الحياة بعيون الازدراء: الفقدُ ليس أوهامًا، ولا مشاعر حبّ مؤقتة تأجّجت في نفس عاشقٍ مراهق ذاق طعم النشوة للمرة الأولى في حياته، فظنّها المسكين حبًّا سرمديًّا يشابه ما ورد في مسرحية روميو وجولييت، وخلدته أشعار الغزل العربية، فتاب على إثره قيس من كلّ ذنب إلّا من حبّ ليلى. ثمّ سرعان ما اختفى ذلك العشق عن الوجود بعد مدّة وجيزة، وتلته أفكار نضوج أكبر، ومصالح أفضل. الفقدُ ليس ضعفًا، الفقدُ ليس رعونةً، الفقد ليس انحطاطًا، إنّه ذلك الجزء الذي ينطفئ إلى الأبد كما قال واسيني الأعرج: هكذا بكلّ بساطة، هو الإخضاع للتناقضات، هو الموتُ بعد الحياة، والخمود بعد الوهج.

ولا أحدثكم هنا عن فقد القطط المنزلية، وإن كانت الرحمة بالحيوانات خلقا إنسانيًّا قويما، ولا عن كسر إحدى الفتيات لأظافرها التي أمضت أشهرًا طويلةً في الاعتناء بها بعد غسلها للأواني، ولا عن فقد مراهقة لحبيبها الذي خانها مع صديقتها. أتحدث عن الفقد الحقيقيّ الذي لا ينفع معه العزاء، عن اضطرار أحدنا إلى أن يخرق أصابعه إصبعًا إصبعًا بسكين حادّ حتى ينشغل بالألم الجسديّ عن الألم النفسيّ، عن قطع الأفئدة التي غطّاها التراب إلى الأبد، فتلّحفنا نحن تلك الأتربة يومًا وليلة لنقضي مزيدًا من الوقت معهم، عن الوطن الذي نراه يتجرّع الأسى يومًا بعد يومٍ ولا نقدر بعدها على أن نفعل شيئًا، عن الحاراتِ التي نعلم بأنّنا لن نخطوها مجدّدًا يومًا، عن المعلّم الذي حفر كلماته في أذهاننا ورحل، رحل من دون إنذار، رحل من دون وداع.

عن بائع الخضار الذي ترك الأثر ورحل، عن الرفاق الذين لن يعودوا إن أعادوا لنا المقاهي، عن الطفل الذي ينتظر والده الكادح أن يطلّ عليه بحبة الحلوى، لكنّ رصاصة طائشةً تثقب رأسه وتفرقه عن ولده إلى الأبد ، عن الأرض التي كانت ينبوعًا، ثمّ صارت بفعل المعتدين حريقا، عن الموت الذي لا يأتي دفعة واحدة، ولكنّه يزورنا على مراحل، وعند كل فقد، يموتُ جزء منّا، عن الشهيد الذي تشيّعه أمّه وهي تلفظ آخر أنفاسها معه، وتعلم بأنّها لن تشمّ رائحته بعد الآن إلى الأبد: هذا الأبد المخيف، على علمنا بوجود لقاء بعد الموت، لكنّه مخيف..

هذا الموت الذي يتخيّر الطيبين؛ مذ احتدّت أزمة كورونا والنجوم تنطفئ واحدًا تلو الآخر.. ريحان لقد مات العم الفلانيّ، ريحان لقد توفي الأستاذ الفلاني، ريحان لقد شيعوا صديقتك إلى مثواها الأخير، فقدنا شهداء في فلسطين، انفجرت قارورة الغاز على عائلة أهل حكيم، من بعيد أمّ تنعى أطفالها الذين توفوا جميعًا إثر قصف في ريف إدلب، غدروا ذاك الشاب الجميل الذي ذهب ليطفئ الحرائق ويعين المكروبين فحرقوه ظلمًا وهو يستنجدهم في قطرة ماء قبل موته، فقذفوه عوض الماء بقطرات البنزين، معلم النّاس الخيرَ الذي لم يمرّ يومٌ على ولادة طفله حتى غادرنا هو بسبب نفاذ الأكسيجين، كأنما بين اللحظتين ولادةُ أفقٍ، وفقدُ أفق، ذلك الوطن الممزّق الذي لم يبق منه سوى أوهام في الذاكرة، يحمله الغريب في صدره، كخيبة، كنكسةٍ، كجرح عميقٍ لا يقدر على ترقيعه، كثقب لا يملك ما يسدّه به، كغربةٍ تُعاش قصرًا بلا نقاش.

هذا هو الفقد الحقيقيّ الذي لا ينفع معه شيء، هذه هي الأشلاء الممزقة التي تُترك فينا، مثل حسرةٍ، مثل وخز، مثل أن يبتر جزء من أرجلنا، فلا يعوّض ذلك الجزء شيء، ولا يكون بودّنا أن نفعل شيئًا: الفقدُ ليس رعونةً هرمونية، ولا مشاعرَ تخيليّة، الفقدُ شعور العجز الذي يجتاح كلّ من تقطعت به السّبل، وخانته الحيل، فسمع قول القائل:

وليست عشيات الحمى برواجع

إليك ولكن خلّ عينيك تدمعا

فأذعن للقول، وأطلق العنان لدموعه، ثمّ أدرك بأنّ الحياة لن تكون منصفةً معه، وبأنّ عليه مع شعور الفقد هذا أن يتحمل هذا الحمل الثقيل على كاهله، ويقوي ظهره، ثمّ يكتب تدوينة هاربة من قلعات الكتم هذه لعلّه يتخفّف من بعض هذا الحمل ليعود إلى قلعته ويغلق الباب على نفسه.

اللهم يقينًا، كيقين الأعرابيّ الذي قيل له: إنّك ميّت، فقال: ثم إلى أين؟ فقيل: إلى الله، قال: ما وجدنا الخير إلّا من الله، أفنخشى لقاءه؟

اللهمّ يقينًا كيقين هذا الأعرابيّ.

ريحان مرغم مدونة

فيزيائية ومدونة جزائرية، شغوفة بالتاريخ والفن والكتب، توّاقة للبحث في أصل الأشياء. أكتبُ من حبّ وحرية، ولأنّ الكتابةَ وطن، ولأجل الرسالةِ والأثر.