كان شابًا

كان شابًا

كان شابًا، قويًا، رزينًا، قادرًا، قاهرًا… إذا تحدث عمَّ الصمت، أغلقت الأفواه وأصغت الآذان. وإذا داس بقدمه على الأرض اهتزت، وأنَّت ألمًا تحت قوة جسده. فجسده متين، وقدماه سريعتان، ويداه تبطشان دون حساب، ولسانه حاد سليط، وعيناه ثاقبتان لا تتركان صغيرةً ولا كبيرةً، وأذناه عن إعادة الكلام بعيدتان. لا يأبه للماضي، ولا يشغل فكره بالآتي، ذو خيال واسع وأمل في الحياة كبير. يظن أن عمره مديد، وقوته لن تخور، وأن المرض والضعف عنه بعيدان. إذا سمع عن النسيان ضحك وصرح بأن ذاكرته حديدية. وإذا رأى الشيب قد اشتعل وانتشر في رأس من يكبرونه، استعاذ بالله منه ومرر أصابعه بين خصل شعره وقال لا مكان لبيض الرؤوس هنا.

يتشبث بالحياة تشبث الغريق بخشبة صغيرة تطفوا على السطح، ويدعو ربه في كل ليلة أن يمد في عمره. لا يرى من الدين إلا ” أن الله غفور رحيم “، وأن ” الله يمهل العبد كي يتوب “. فلا يكمل العبارة القائلة بأن الله ” يمهل ولا يهمل “، وأن عقابه شديد لمن عصى وتكبر وعن التوبة أعرض. يهاب الموت مهابة القطيع للذئب، ويهرب منه بكل ما أوتي من قوة، ظانًا لضعفه وجهله أن سنة الحياة عنه غافلة.

ثم ها هو قد كبر، واشتعل رأسه بالشيب، وتجعد وجهه ويداه، وما عاد لماء الشباب في وجهه أثر. انحنى ظهره، وما عادت قدماه تحملانه، ولا يداه تعينانه، ولا لسانه ينطق دون تلعثم وإسقاط. وها هو قد ارتدى النظارات واتخذ من السماعات حلية لأذنيه. كل هذا التغيير جعل الماضي ذكرا تدمع لها عيناه، والمستقبل مغمةً ليس له فيها ناقة ولا جمل. ما عاد حضوره ملحوظًا ولا قوله مسموعًا، وإذا خطى على الأرض لم يسمع إلا صوت أزيز عظامه وقد اختلط بصوت امتعاض الحاضرين. صار يرجو قرب الأجل فلا أحلام بقيت ولا آمال يرجى تحقيقها. أدركه النسيان، وألمت به الأمراض كلها، وكلما كبر يومًا لحقه ما كان يهرب منه في شبابه.

أفلت الخشبة التي تشبث بها في شبابه، وأسلم نفسه للماء أملًا في اختناقه، إلا أن الحياة تأبى أن تفلته وتقبض عليه بأنيابها، رافضةً الفراق والبعد.

أدرك بعد أن فات الأوان أن سنة الحياة لا تنسى أحدًا ولا تغفل عن ضعيف غافل أو قوي عابد، وأنه عاد ضعيفًا محتاجًا بعد أن كان ذلك الجبار المتكبر، فأصبح لسانه يدعو لمن حوله بالقوة والعافية والموت قبل أن يلحق بهم ما أصابه، ويوصيهم بالتواضع والبعد عما يشين قبل أن يذوقوا نتاج عملهم.