من العتمة إلى الضوء

من العتمة إلى الضوء

في كتابه الأخير أنا قادم أيها الضوء، يحدثنا محمد أبو الغيط عن تجربته المريرة مع المرض الذي عانى منه في أيامه الأخير قبل أن يغادرنا للضوء.

لن أقول أن الكتاب ذكرني بما عايشته وفقدته، لأن الذكرى دائماً إلى جواري لا تفارقني. ربما يمكنني القول أنه أعاد إلي الكثير من التفاصيل التي أحاول أن أتناساها طيلة الوقت.

على عكس تجربة محمد التي تحدث عنها، وحديث الأطباء معه بمنتهى الوضوح من أول لحظة عن مرضه وعن ما هو مقبل عليه وشرح كل شيء بالتفصيل، أتذكر يوم عرفنا بمرض والدي بعد عناء وبحث وتنقل واستبدال اطباء لإجراء الفحوصات اللازمة.

اكتشف بعد عدة أشهر من المعاناة مع المرض ومع التشخيصات الخاطئة والأطباء الغير مبالين بمريض لا يعاني بشدة كبقية الحالات من حوله أنه يعاني من سرطان. فقط سرطان بدون شرح أو تفاصيل أو أية معلومة آخرى!!

لتبدأ معاناة آخرى لا نعرف كيف نواجهها. في البداية تخيلنا أن المرض في مراحله الأولى، وأن كل شيء على ما يرام كما قال الطبيب الذي أفصح لنا عن المعلومة الوحيدة التي عرفنها وقتها. ورم صغير الحجم في مراحله الأولى بكل تأكيد ولا يوجد أي داعي للقلق أو الهلع، كل ما علينا فعله هو الالتزام بالعلاج الموصوف الذي لم يدم طويلاً لنبدأ في جلسات الكيماوي التي لم تأتي بثمارها أيضاَ ليخبرنا الأطباء مرة آخرى أن علينا اللجوء لعملية صغيرة لن تسبب أية أضرار.

بدء كل شيء وانتهى كل شيء في عدة أشهر لم نعلم خلالها أي شيء سوى ما قاله الأطباء لنا. لم نعلم أن أحدهم قد وضع له وقت لن يتعداه ورسم عليه خطة العلاج، خطة بسيطة جداً فقط مسكنات وإلهاء وأمل كاذب كان الرد الوحيد على أي تساؤل حتى صدمنا بالنهاية التي توقعها الجميع إلا نحن!

كانت الحالة غير مستقرة يوم جيد ويوم سيء، يوم أعراضه شديدة السوء ويوم يشعرنا بأننا على الطريق الصحيح، وبأن كل شيء سيعود لما كان عليه.

ما اكتشفته بعد ما انتهى كل شيء، الأمور كانت شديدة السوء منذ البداية. لم يكن الورم صغير للغاية، ولم يكن في مراحله الأولى، كما لم يكن في جزء واحد فقط في الجسم.

لفترة طويلة جداً اقنعنا أنفسنا بأن المعرفة لم تكن لتفيدنا على أية حال، وعلى جانب ما قد تكون هذه الفكرة صحيحة فلا شيء في الدنيا قد يمهد أو يجعلنا نستعد لما هو آت. قد يفكر غيري بطريقة مختلفة بشأن المعرفة والتأهب لما هو قادم، وبأن التمهيد قد يجعل الصدمة أقل وقعاً علينا، لكن في النهاية يخبرك الجميع بأن كل شيء يتساوى فالنهاية واحدة في كل الحالات. هناك شخص غادرنا للأبد، للحظة كان هنا واللحظة التالية اختفى للأبد. لا شيء في هذه الحياة قد يجعلك مستعد لتلك اللحظة.

على الجانب الآخر نفكر أننا لو علمنا بالتفاصيل وقتها ربما كنا اتخذنا طريق آخر، أسلوب علاجي مختلف، وربما بعض الاستمتاع بما هو متبقى من الوقت أو تنفيذ آحدى الخطط المؤجلة لآخر مرة لو فقط علمنا أية تفاصيل.

عزائي الوحيد أن كل من غادرونا إلى الضوء من العتمة التي كانوا بها قد انتهت معانتهم. سواء كانت معاناة مع ألم لا ينتهي أو طب لا يستطيع تقديم أي شيء في مرحلة معينة، مع أحباء يتألموا ولا يمكنهم فعل أي شيء سوى التمنى لو يمهلنا القدر قليلاً لتحقيق الخطط والأحلام التي كنا نرسمها طيلة الوقت ظناً منا أننا باقون للأبد، وأن السيء يحدث للأخرين فقط حتى نصطدم بالواقع وتذكرنا ظلال العتمة التي لم تغادرنا بما مررنا به.

سارة الشافعي مدونة

مدونة