هي فوضى عارمة

هي فوضى عارمة

وكأنك موجود على حافة شيء لا يُرى، وأنت ترى بوضوح ما يجري حولك، لكنك مثل ذرة شاردة في غياهب الكون. لا أحد ينتبه لوجودك، حتى أن كل الموجودات من حولك تجهل بوجودك. أنت مثل السطور المهمشة التي ترسم عادة في ذيول الرزنامة، فقط لتكملة هندسة الورقة ليس إلا.

تتساءل في ريبة: ما الذي يحدث، ومن أنا؟ صوتك الذي اعتدت منه الطمأنينة طوال حياتك سيتخلى عن رجاحة عقله وعنك، وإن منحك شيء فلن يعطيك سوى مساحة واسعة مثقوبة بتأويلات شتى. كأن تخبره.. أأنا موجود حقا؟ فيقول لك: لا، لكنك تتنفس وما زلت هنا!

أنت تعرف أنك ما زلت على قيد الوجود، تتنفس، تأكل وتنام، لكن بك شيء غائر في كل ذلك التكوين، شيء إن استطعت الإمساك به، ستعرف فورا ماهية دائك المسكين. لكنك تعرف أيضاً أن كل ذلك محض ثمالة. قد تخدرت كافة أجهزتك العصبية منذ ذلك اليوم، تخدرت بشكل مهين وحولتك إلى غيمة هلامية ممتلئة بالسخافات، ولقد انتحبت مرتين مرة على فقد عزيزك، ومرة على نفسك التي تفسخت أمام الله.

هل يا ترى كنا نحسب أن تلك الصدفة التي جمعتنا بفيلم The Shawshank redemption هي رسالتنا الأخيرة لبعضنا البعض؟ من كان يظن ذلك؟ ولكن نعم، كانت هي آخر رسالة لنا، كان آخر فيلم شاهدناه سويا، وشاهدناه حتى بعمق وبلذة فاقت كل المرات السابقة. كنا نتأثر عند المشاهد القاتمة، ونبتسم لا إراديا عند مشاهد انتصار (دوفرين) على الأمل، قد حطم دوفرين جملة صديقه (ريد) – “احذر الأمل، إنه قاتل” – بكل يسر وجعل ريد نفسه يشارك في تحطيمها دون أن ينتبه، يا له من ماكر وخبيث! من أين له كل ذلك الأمل؟

ما زلت تتفوه بأسئلة لا إجابات لها، أسئلة خُلقت لَيُثَرثر بها في اجتماعات الصم والبكم. أو كذلك الطلب السخيف الذي يرجوه العاملين في ملاجئ الأيتام: تصرفوا معنا كما لو كنا آباءكم! إنها مهزلة حقيقية، كما صاغها نجيب محفوظ في روايته (ثرثرة فوق النيل) “‏لا أهمية لشيء، حتى الراحة لا معنى لها؛ ولم يبدع الإنسان ما هو أصدق من المهزلة” والآن لا أهمية حقا للخوض في كيفية وجودي، أنا أكتب وأتنفس، إذا أنا موجودة! وهذا كل شيء، لأنني لو تعمقت أكثر من ذلك سأخلق فوضى جديدة أنا في غنى عنها. فقديما كتبت – واصفة يوما سيئا للغاية – “هي فوضى عارمة، كلما فتشنا عنها خُلقت أخرى من اللاشيء” وهذا ما يحدث معي هذه الأيام، منذ أن باغت الموت أخي الكبير – والذي كان صديقي وأبي الثاني – آخذا مني لُب الطمأنينة والفرح.

تصحرت أرضي باكراً، وقد أخذت الأشواك طريقها نحوي بلا هوادة. وليت الأمر توقف عند ذلك، بل راح يهدم كل ما رممته قديما، سنوات كثيرة ضاعت أمام عيني في لمح البصر. كتبت تدوين من حوالي عام حسبت نفسي فيه من الناجيين، أنا الآن لا أعرف إلى أي فئة أنتمي. قد ضاعت المعاني واختلطت الأشياء في أصولها وتلاشت مثل كوكب عجوز. لا صدى لأي ضوء هنا، لا شيء غير الظلام والسكون والعدم.

مشهد (دوفرين) وهو يقود سيارة أحلامه في وجه الموت، داهسا ماضيه المغبر برزايا الإنسانية، يحيلني الآن إلى حائطي الاسمنتي الخاص بي. ترى هل هو مجرد كلس يسهل تفتيته؟ وكم سأمضي حتى أصل إلى العمق المطلوب؟ هل بامكاني السباحة مرة أخرى في نهر من الأوساخ؟! صدق (ريد) عندما قال أن الأمل قاتل، لن يتحمله سوى قلب راغب في العيش، لا الاستسلام والموت. والسؤال يظل قائما.. كيف لقلب محطم بالكامل أن يأمل ويرغب في العيش؟!

ولاء عطا الله كاتبة

كاتبة ومدونة مصرية