شرطة الذاكرة

شرطة الذاكرة

“إنَّ مهمَّتنا الأساسيَّة هي الحرص على أن تتمّ عمليَّات الاختفاء دونما إبطاءٍ، والتعجيل بامِّحاء الذكريات التي لم تعد فيها فائدة. لا فائدة في الإحتفاظ بذكرياتٍ لا طائل من ورائها. أليس كذلك؟ حين تصيب الغرغرينا إصبع القدم، ينبغي التعجيل ببترها، وإلَّا خسرنا القدم بأكملها. الأمر شبيهٌ بذلك. المشكل الوحيد هو أنْ لا شكل للذكريات والقلب. يستطيع الإنسان أنْ يجعل منها سرَّهُ، ويخفيها. وبما أنَّ الخصمَ خفيٌّ، فنحن أيضًا نشتغل بسرِّيَّة. إنَّها عمليَّةٌ دقيقةٌ جدًّا. أن نكشفَ سرًّا لا شكلَ له، وأن نحلِّله، ونصنِّفه، ونعالجه، وينبغي بالطبع أن نحميَ أنفسنا بأن نحفظ السرّ بدورنا. هي ذي غاياتنا.

ثم، حتى وإن غابت الذكريات، فإنَّ شيئًا منها يظلُّ حاضرًا في القلب. رجفةٌ، أو ألمٌ، أو فرحةٌ، أو دمعةٌ… تفهمين؟”

اقتباسات من رواية شرطة الذاكرة للكاتبة يوكو أوغاوا

ملحوظة: قد تحتوي التدوينة على حرق لأحداث الرواية لمن لم يقرأها بعد.

في الرواية تختفي الأشياء بدون مبرر أو سبب ليفهم منه الناس سبب الاختفاءات، تحدث فحسب. يستيقظ الجميع مع شعور غريب بأن شيء ما قد حدث، ليجدوا شرطة الذاكرة المسئولة عن الأمر تخبر الجميع بأن عليهم التخلص من شيء ما بعدة طرق تقترحها الشرطة على حسب الشيء ذاته. شيء لا تختاره الشرطة بنفسها، لكنها تحرص على التأكد من التخلص من كل آثاره بالكامل بعدما يفقد الجميع أحساسهم به، فلا يعود أحدهم لتذكر علاقته السابقة بما تم نسيانه ليصبح مجرد مادة تشغل حيز في المكان لا أكثر.

المشكلة أن النسيان لا يكتنف الكل، فبالرغم من نسيان الأغلبية ما حدث وما تم اختفاء وتدميره بالفعل، هناك فئة لا تستطيع النسيان بالكامل، فتظل محتفظة بالعديد من الذكريات التي انتهت ولم تعد تشكل أي شيء لأي شخص سواهم. وهذه الفئة بالرغم من عدم قدرتهم على التحكم بالأمر إلا أن شرطة الذاكرة تحاسبهم حساباً عسير على ذكرياتهم حتى ولو لم يكن هناك أية آثار آخرى سوى الذكريات بعقولهم. بالرغم من عدم قدرتهم على الاستفادة بتلك الذكريات أو إيصالها لمن حولهم إلا أن الشرطة لا تسمح ببقائهم بعد اكتشاف أمرهم. ينتهي الحال بهم كما ينتهي بالذكريات المختفية.

تستمر الاختفاءات في الرواية الواحد تلو الآخر حتى يبدأ الأمر يتطور لما هو أخطر، فتبدأ أعضاء بشرية في الاختفاء.

في البداية يكون الأمر غريب وغير مفهوم كالعادة حتى تبدأ الاختفاءات في التوالي العضو تلو الآخر ويبدأ الاعتياد، حتى يختفي الجميع في النهاية بعد اختفاء اعضائهم.

ربما في الرواية لم يكن هناك ما يمكن فعله لإعادة ما فُقد، أو تم مسحه من ذاكرتنا بشكل أو بأخر، ولم يكن هناك مبرر لتذكر البعض ونسيان البعض الآخر. لكن الاختفاء اصبح حتمي بعد ما اختفى تقريباً كل شيء؛ فما نحن وماذا نمثل بدون ماض وخبرات وذكريات نحملها وتحملنا معها للنهاية؟!

سارة الشافعي مدونة

مدونة