كانوا يحدثون الموتى…

كانوا يحدثون الموتى...

يبقى الموت يمثل الحقيقة الثابتة المريرة في حياتنا ، ويظل الأمر شديد التعقيد في فلسفة البشر لأن الجسد لا يولد من فناء ، فالعلاج والدواء أصبح بلا جدوى ، والروح تصعد في لمح البصر عقب هلاك المادة ، وربما يشعر المحبين بثمة صعوبة واستحالة في الرضوخ للواقع ، فقد يتمنى أحدهم أن تعود أمه إلى الحياة ، وآخر يرى أن الواجب عليه أن يخلد والده ولا يلقيه وحيداً في تراب المقبرة ، فربما الأفضل أن يقوم بتحنيط والده حتى يظل بوجهه وهيئته كما كان يراه ، وكما كان يحب والده أن يكون ، ولكن صنع ذلك التمثال الخالد لن يعيد صوته وروحه المفعمة بالحياة والأمل.

يظل الإنسان يسير في دائرة كبيرة يدعي أنه يعرفها ثم يكشف له الموت إنه جاهلًا ، فقد كان يجادل ويتصارع ثم يصمت ثم يرتحل هنا وهناك وفي النهاية تنجلي الحقيقة بأنه لم يملي عينه وعقله ممن يحبهم ، فيتمنى لو تعود الأيام ليتنازعوا معه ويتكلموا ليسمعهم جيداً ولا يجادلهم ، فإن صوت شجارهم في البيت أجمل مئات المرات من صمتهم تحت التراب.

تبقى قيمة الذهب في عيوننا بما يمثله من فائدة مادية ومعنوية ، أما ثمن الإنسان فإنه لا يقدر بالأموال لأن ميزان الأرواح لا يملكه البشر ، فالله وحده هو المهيمن لأنه وحده خالق الأرواح.

لطالما أردنا دائماً أن نتواصل مع الموتى لأننا نفتقد وجودهم بشدة ، إننا نفتقد العلاقات التي كانت معهم عندما كانوا أحياء، فقد نتطلع إلى التواصل معهم فقط لكي نطمئن أنهم بخير أينما كانوا ؛ نريد أن نعرف هل هم سعداء أم تعساء

كيف يمكننا أن نتحدث مع الموتى ؟

في القرن الثامن عشر كانت أول جلسة  من جلسات تحضير الأرواح ، حيث تجمع مجموعة صغيرة من الناس زعموا أنهم قادرون على توجيه روح الموتى ونقل الرسائل إلى المشاركين الأحياء ، كانت هذه الجلسات مليئة بالحيوية بحسب ما يدعي حاضريها . ولكن علماء النفس لم يقفوا أمام هذا الحدث كمشاهدين وإنما تم مراقبته عن كثب ، وقد قام الباحث جيمس براغ ببعض تلك التجارب للجلسات الروحانية  وعلى حد قوله فإنه نجح في توصيل رسائل عديدة من المتوفين إلى أقربائهم الذين على قيد الحياة والعكس صحيح .

المشكلة أنه لا توجد وسيلة لإثبات أن الرسائل هي بالفعل من الميت ، يمكنهم القول كما يريدون و يدعون أنه شخص في عداد الموتى ولكن لا يوجد دليل على أنه الشخص المقصود ، فلا توجد معلومات مقنعة بالنسبة للحاضرين.

فيما بعد كانت هناك بعض المحاولات للتحدث مع الموتى تسمى (تجارب الموت القريبة) و قد تحدث أصحاب تلك التجارب  أنهم يخرجون من أجسامهم المادية عن طريق التأمل والتركيز الشديد في  العالم الآخر  ، ويدعون بأنهم يجتمعون بأصدقاء وأقارب لمتوفين وجهاً لوجه، و الرسالة من هؤلاء الموتى تكون دائماً واحدة  وهي : (ليس وقتك بعد- يجب أن تعود إلى الحياة ) ثم ينتقل الشخص إلى جسده ليعود لحياته الطبيعية مرة أخرى .

وفي العصور الحديثة بدأت بعض الفئات تتجه إلى تجربة جديدة أكثر تطوراً تسمى (الظهورات) ، حيث تقوم مجموعة من الأشخاص بلقاءات مباشرة مع الموتى بحسب ما يروي بعضهم بأن الأرواح تأتي إليهم ، وبحسب ما يزعم الكثير منهم فإنهم  يقولون إنهم قد زارهم أقارب وأصدقاء ميتون ويجلبون لهم كلمات تطمئنهم ، و في الحالات الأكثر إثارة  فإن الأشخاص الذين يشهدون هذه الظهورات لا يدركون أن الشخص قد مات ، ولكنهم يكتشفون موته في وقت لاحق فقط.

وقد روت إحدى النساء بالفعل قصة غريبة عن مدى إيمانها بإمكانية التحدث مع الموتى الطيبين حقاً ، فقد كانت تعيش في الولايات المتحدة الأمريكية ، وفي أحد الأيام كانت بمفردها في المنزل فدق جرس الباب ، فاتجهت إلى فتحه ففوجئت بعمها الذي بدا مطمئناً لا يظهر عليه علامات السفر أو الإجهاد وقد قابلته بحفاوة كبيرة وسألته : كيف عرف عنوانها في أمريكا ؟ ومتى جاء من مصر ؟

فأجابها : أمريكا لا تبعد عنا . ففرحت جدا برؤيته ،وذهبت بسرعة لتعد له شراباً وعندما عادت إليه لم تجده ، تعجبت مما حدث واتجهت بسرعة للهاتف لتطلب مصر وتسأل عن عنوانه بأمريكا ، وذهلت عندما أخبرتها ابنة عمها بوفاته ، ولم تستطع تمالك نفسها من الصدمة والدهشة.

بعد ذلك الاستعراض السابق لبعض صور التواصل مع الموتى لا نستطيع الجزم بفاعلية أياً منها في تحقيق ذلك الحلم الذي يراود الملايين في شتى أنحاء العالم ، الملايين الذين فقدوا ذويهم وأحبائهم في رحلة الحياة ، فقد يصل بعض الناس الذين يملكون الشفافية والصفاء الروحي إلى تلك الرغبة الجامحة في التحدث مع محبيهم الذين فارقوا الحياة ، بينما لا يملك الكثيرين تلك القدرة الخارقة ، وتبقى المسألة تحت عنوان الأسرار الخفية التي تدخل في الغيب الذي لا يعلمه إلا رب العالمين

قال تعالى: (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً).  

 وفي النهاية فإننا مهما بلغت قوتنا ليس بإمكاننا أبداً أن نتهاون مع الموت وهو الحدث الأكبر في هذا العالم الكبير ، ولكن يمكننا أن نتعايش مع تلك الحقيقة بألا نستسلم وأن نحاول الخروج من الدائرة المغلقة  بأن نقول لأنفسنا دائما : إن أحبائنا الذين رحلوا عنا  كانوا يريدون  رؤيتنا  أكثر قوة  .

فكر جيدا إذا أردت أن تستكمل المسار بعد موت الأحباء ، وحاول أن تحافظ على ما تبقى لديك لأنك تعرف أن هناك ثمة أشياء لا تموت لأنها تنمو وتتكاثر ، لا تكن خيالياً مستغرقاً في فلسفة الموت ، بل كن واقعياً لأنك لازلت على قيد الحياة وهناك الكثيرين الذين ينتظرون دعمك ، لا تفكر بأنانية  لأنك لست وحدك  داخل الدائرة ،

فالحياة تستحق أن تعيشها .

عزة عبد القادر دكتور جامعي

أعشق الكتابة لأنها تساعدني على تطهير نفسي والخروج من ذاتي إلى عالم أجمل