المُفكّر المُنتظر!

المُفكّر المُنتظر!

عرفَ انهيار الامبراطورية الرومانية بروز عقول أصّلت لما قبل وأثناء وبعد تلك الحادثة التي خطّت التاريخ، وكان من أعمدتها القديس أوغسطين البوني، الذي برز في تأصيل أسس الفلسفة المدرسية أو السكولاستية التي شاعت بعده بقرون يسيرة. كتب في الزمن والتاريخ والعلوم، ورغم قلمه اللاهوتي، إلا أنه عملَ على التوسع في ذكر المسببات والعوامل والأرضية التي جعلت العالم يتغيّر، فأعطى بفكره إشارات للفكر النصراني بأن يغير من أسلوبه مثلا في التعاطي مع النصوص المقدسة، وإن كان قد غُيًر النص غيرَ مرة، إلا أن التأويلات والتفسيرات يمكن أن تتغيّر آلاف المرات، بما يتماشى والسياسة والمصالح الاقتصادية للكنسية، ثم للإمبراطوريات والإمارات الناشئة. فعرف الأوروبيون أوائل التغييرات الفكرية مع بروز مفسرين جدد للإنجيل، على راسهم تـوما الإقويني، وعرفت السكولاستية ثورة جديدة في منظورهم الديني، وقد جالت أوروبا، وخدمت مصالح الباباوات والملوك والأباطرة والنبلاء، فقد ولد لهم دين على المقاس، يتماشى ومرحلة ما بعد الإمبراطورية الرومانية.

فعرفوا نشأت الإمبراطورية الجرمانية المقدسة، وما حولها، وعادوا ليبسطوا نفوذهم على أراضٍ خارج أوروبا باسم القداسة دائماً..وقد سلّموا المِشعل مكرهين للبروتيستانت، الذي حكموا العالم باسم الولايات المتحدة وبريطانيا.

في عالمنا الإسلامي، وفي تقارب زمني مثير، بين بداية هوان القوة المحلية، ومؤشرات لتصاعد القوة الغربية، جاءت ظاهرة تسمى ابن خلدون. الرجل المؤرخ القاضي والفيلسوف، الذي أوقعه قدر الله، بنفس وضعية القديس أوغسطين، والمثير أنهما من نفس المنطقة الجغرافية تقريباً، فقط عاصر تشتت الحكمة والقوة الإسلامية، وزيادة الترف والابتعاد عن الدين والزهد، بداية التمسك بالحياة الدنيا، والتعصب للطائفية والمذهبية والعرق والرأي! فكتب آلاف الصحف يحدّث من أراد أن يقرأ ويسمع عن التاريخ وفلسفته، وأن الانحطاط آت لا محالة، فكتب في آليات العودة إلى التوازن، وبعث القوة من جديد، بأسلوب ديني، عقلاتني وعلمي.

إلا أن الأمة لم تقرأ له، أو قرأت ولم تعره تلك الأهمية.

فالفرق بين أوغسطين وابن خلدون في حالة استقبال الأمتين لإنذار الخطر، ورغم أن الاوروبيون كانوا ولا يزالون على معتقد فاسد، إلا أنهم أخذوا فسادهم بجد، وجعلوه ذهبا، وأخذنا الحق الذهبي بهزل، وجعلناه رملا وتراباً.

أما اليوم، فأمريكا نفسها تعرف أنها تتراجع، ولستُ أتحدث عن تراجع في القوة، بل في جذورها، هناك هشاشة فكرية تنخر أعمدتها، ولسنا نرى ونشهد إلى يومنا منظرين بوزن أغسطين يعملون على إعادة بعثها! أقول بوزن أوغسطين، ذلك أنني أعلم بوجود كيسنجر وبريزنسكي وجاك عطالي وغيرهم، إلا أنهم يسمون دعاة الموت! ذلك أن استشرافهم ديستوبي أسود، ليس فيها فلسفة مؤسسة كالمدرسة السكولاستية، ولا الخلدونية ذات الحس التاريخي العال!

أما عن عالمنا، فهو نائم منذ أيام ابن خلدون، ومن غير المعقول ألا نلد ابن خلدون آخر! حتى مالك بن نبي لم يستطع تجاوز عبد الرحـمـٰن في كل الخطوط العريضة!

نحن ننتظر المفكر والفيلسوف الذي يأتي ليغربل العالم الاسلامي والعالمي، قد يعتقد البعض أنني أشير إلى المهدي، إلا أنني، وبنظرة مسحية بسيطة، لا أرانا على شبه وعي يسمح لنا بأن نترك هوسنا وراء السخافات، ونلحق بالمهدي، فللمهدي شروط، وعلى رأسها أن تكون الأرضية سامحة، وأرضيتنا لا تسمح حتى بقول الحق دون خوف من سب وغدر، وانعزال تام لهؤلاء الذين ننتظر منهم قيادة نهضة جدية.

نحن نحتاج إلى ابن خلدون جديد، فإذا أتى، وسُمع له، ستكون أولى الاشارات، بعد عقدين أو ثلاث، لدفعات قوية لجزيتنا نحو السطح، جزيرتنا التي تقبع في قاع المحيط بجوار أطلنتس..

فلنتدرج، ليسنا نطلب قيادة العالم، ولا مواجهته، ليس عشنا فلندرج! بل يجب أن نستعد لقبول مفكرين وعباقرة، يقلبون الأرض الميتة إلى أرض خصبة.

عماد الدين زناف

كاتب روائي، مُدوّن لمقالات فكرية، صانع مُحتوى على اليوتيوب.