أول خمسة عشر حياة

أول خمسة عشر حياة

منذ ولادتنا يفرض علينا الكثير من الأشياء التي يستمر بعضها معنا، ونتخلى عن البعض الآخر مع مرور الوقت ومع إدراكنا وقتها عن إمكانية التمسك والتخلي عن ما هو غير مناسب.

 أفكار ومعتقدات، وعادات وتصرفات قد تستمر معنا بحكم  التعود أوعدم رغبتنا الحقيقية في البحث أو الفهم عن ما وراء الأشياء، للبحث والجري وراء ما هو أهم أو أساسي بالنسبة لنا.

بدأ من الأباء والأمهات، مروراً بالمدارس، حتى العمل والشريك. لكل من هؤلاء الكثير مما اختبره وعايشاه، وما فرض عليه هو الآخر، ليأتي بدوره عندما يصبح هو المسئول ليدور في نفس الدائرة ولا يخرج عنها بعدما شعر بأنه أصبح المسئول عن استمرار العادة أو العرف السائد فلا يمكنه الآن أن يعمل على الفهم أو كسر تلك العادة.

البعض يؤمنوا بأن السابقون على علم ودراية بما يقولون فلا يشغل أحدهم باله بالبحث عن معاني أو أهداف تلك العادات، والبعض يؤمن بأن ما استمر كل تلك العقود لا يمكن أن يكون خطأ أو يؤثر بالسلب على مسار حيواتهم الذي مازل مجهول ولو جزئياً بالنسبة لهم.

ما ذكرني بالأمر وبقصة سيدنا الخضر ما كنت قد قرأته في أحد الروايات (The First Fifteen Lives Of Harry August ) عن بطل يعود للحياة بعد الموت مرات عديدة، فيعود لقتل شخص بعينه حتى يمنعه من ارتكاب جريمة لم تقع بعد. قد وقعت مرات عديدة قبل أن يداوم الشخص الأول على قتله ومنعه من ارتكابها.

بعد مرور الكثير من الوقت وقتله للشخص ذاته عدة مرات، بدون أن يبدأ الشخص حتى بارتكاب الجريمة، تتسائل إحدى الشخصيات عن سبب قتله له بعد مرور كل هذه السنوات؟ وهو لا يعرف مصيره بعد ولم يحدده ولم يرتكب أي شيء! فيقرر الأول أن يتركه هذه المرة على سبيل  التغيير ولاقتناعه بما سمعه بعدما عايش الكثير من المتغيرات من حوله على مدار كل سنين عمره المتكررة. ليمر الوقت ويكتشف أن القتيل الذي أعتقه هنا عاد ليرتكب الجريمة التي قتله عشرات المرات حتى لا يعود إليها، ليكتشف أن القاعدة الوحيدة هي عدم وجود قاعدة. لا شيء ثابت، ولا يمكنك التكهن أو الحكم بدون التجربة، مما يتعارض مع فكرة قتله للرجل في المقام الأول، فهو بدون أن يرتكب الجريمة يقتل ويتأثر من حوله بموته بدون علمهم بسبب فقدانهم له، وبدون أي مبرر يذكر أو ما يبرد صدورهم!

في قصة سيدنا الخضر يقوم سيدنا الخضر بارتكاب أفعال تجعل سيدنا موسى يتسائل طيلة الوقت عن صلاحه وعن أسبابه التي شكك فيها من الأساس. ليبرر له سيدنا الخضر سبب كل ما فعل ويتركه بعدما أخلف عهده معه وسأل عن الأسباب.

بالطبع لا أقارن بين حادث سيدنا الخضر مع ما نلاقيه من المجتمع بالرواية، ولا يمكننا أن نعتمد على من حولنا بدون أن نبحث ونفهم ما حدث بالفعل فعصر الأنبياء والمعجزات قد فات وولى زمانه ولا يمكننا انتظار مبعوث من الرب ليخبرنا بأسباب كل ما لم نفهم وحير عقولنا. ولا أقول هنا أنه علينا أن نجلس ونقبل بكل ما يحدث لنا وحولنا بدون محاولة الفهم أو تغيير مساراتنا وفقاً لما نراه ونسعى إليه، أو نكف عن المشاركة في الحياة لنتركها تتجاوزنا ببساطة.

كل ما أقوله أن الحياة كثيراً ستجعلنا في حالة ذهول أو حيرة لا تنتهي أو تزول، وفي تلك الحالة علينا أن لا نقف كثيراً لنتسائل فليست لكل الأسئلة أجوبة. علينا أن نعرف متى نبحث عن الأجوبة ومتى نكف عن هدر وقتنا فيما لن يقدم أو يؤخر فعلى حد علمي وعلم الجميع كل ما نملكه في هذه الحياة هي دورة واحدة وليس خمسة عشر كبطل الرواية.

سارة الشافعي مدونة

خريجة حقوق وأحب مشاهدة الأفلام والبرامج الوثائقية والقراءة في شتى المجالات.