سارة الشافعي
سارة الشافعي

د

معضلة القطار

معضلة القطار من المعضلات الاخلاقية التي تجعلنا نعيد النظر والتفكير في قرارتنا واخلاقيتنا بعد التعرض لإحداها، ففي كل الحالات نجد أنفسنا في وضع المسئول عن ما سيحدث مما يضع عبئ القرار بالكامل على عاتقنا.

في حالة معضلة القطار أو معضلة العربة يكون علينا الاختيار بين إصابة القطار لخمس أشخاص، أو تغيير مسار القطار وإصابة شخص واحد بعيد كل البعد عن المسار ولم يفعل أي شيء خاطئ، فقط تصادف تواجده على المسار البديل الذي قررنا أن نلجأ إليه لننقد الخمس الآخرين.

المعضلة هنا افتراضية بالطبع، لكن يمكننا القياس عليها الكثير من الأمثلة والمواقف التي ستجلعنا نشكك بصحة ضمائرنا، بسبب تبعات قراراتنا على مصائر المشتركين بالمعضلة الحقيقية التي وقعنا بها. ففي كثير من الأحيان نقوم بمنتهى السهولة والأريحية بدهس الشخص الوحيد في الحقيقة لإنقاذ خمس أرواح بناء على العدد لنجد أن الشخص الوحيد كان الأكثر أهمية، أو فيما بعد الأكثر تضرراً مما لا يعادل إنقاذ الأخرون. وقد نحرك القطار على مسار فارغ لنعود بعد وقت طويل أو نعطل مسار قطارات آخرى أو نواجه قطار آخر أو مسار مسدود يؤدي بحياة كل ركاب القطار، مما يتنافى مع فكرة الإنقاذ التي كنا نفكر بها ونحن نتحول عن مسارنا الرئيسي.

كلها نهايات ممكنة وواردة والنتيجة واحدة، لابد من حدوث خسائر في كل الحالات، سواء قررنا السير على نفس المسار، أو تحويله أو أي حل آخر قد يظهر أمامنا في حالتنا التي لم تكن في الحسبان.

في الغالب نفكر فيما هو أصلح وفقاً للمعلومات المتوافرة لدينا، فلا يمكننا أن ننتظر ونبحث وندرس الأسباب والأشخاص، علينا وقتها التصرف لإنقاذ ما يمكننا إنقاذه آملين أن ما قررناه هو الصواب، ولا يوجد ما هو أفضل من هذا الحل، فمثلاً نقوم بتفادي طفل صغير لندهس شخص كبير السن، متخيلين أن الكبير قد أكتفى من الحياة التي مازالت أمام الصغير بكل احتمالاتها.

ما ذكرني بالموضوع وجعلني أكتب ما أكتبه مقطع فيديو لطفل صغير، في الفيديو يضع والد الطفل أمام لعبته خمس لعب صغيرة لخمس أشخاص، وفي مسار بديل يضع لعبة واحدة ويطلب من الطفل أن يتخذ قراره ويجعل القطار يكمل دورته، ليقوم الطفل بمنتهى البراءة برفع اللعبة الواحدة من المسار البديل ليضعها إلى جوار الخمس الآخرون، ثم بمنتهى البراءة يبدء في تحريك القطار.

يتحرك القطار وأنا أتصور أن الطفل سيمر من المسار الفارغ، لأجده يتحرك بإتجاه العرائس الستة، وبعد أن تتطاير العرائس يقوم الطفل بقلب القطار بيده معلناً انتهاء القرارات واللعبة وكل شيء. ما ذكرني بنكتة قديمة جداً يسأل فيها أحدهم سائق سكير عن سبب الحادث البشع الذي قام به، ليجيبه السائق قائلاً أنه كان أمام حفل زفاف وفي الناحية الآخرى أمامه شخصان فما عليه أن يفعل في تلك الحالة؟ فقال له الأول أن إصابة الشخصان أرحم بكثير من الدخول بالسيارة في الحفل في حالة عدم إمكانيته إيقاف السيارة، ليوافقه السائق الرأي ويخبره أنه قرر أن يصيب الشخصان لكن ما كان من أحدهما إلا الهروب ناحية الحفل ليطارده السكير داخل الحفل بالسيارة ليكمل ما بدأه ليصيب شخصان ويتفادى الحفل.

في النكتة المفترض أن السائق سكير، وفي حالة الطفل هو صغير للغاية ولا يمكننا أن نحكم عليه بناء على ما فعله، لأنها مجرد لعبة وهو يدرك هذا جيداً. مجرد طفل يعبث بلعبه التي سيعيد العبث بها مئات المرات بدون أية منغصات ولا معضلات ولا مشاكل تواجهه غير الملل من السيناريوهات المتخيلة التي وضعها ونفذها وعليه أن يجد غيرها ليتخلص من ملله. لكن في المطلق أجد أن الأمثلة الأخيرة ما هي إلا صورة مصغرة مما صرنا عليه، ومن القرارات والنتائج التي أصبحنا ننفذها غير عالمين بما نسببه من أضرار وكوارث، ربما عن جهل، وربما غير عابئين بالأمر كله.